يروى عن ابن منظور أنه قال بعد أن ألف لسان العرب: «جمعته في زمن أهله بغير لغته يفتخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون». هذا قد يعني أن أشهر معجم عربي كتب في زمن منحط، لكن هل شكوى ابن منظور تشبه شكوى العربي الحديث من سوء زمانه؟ يلفت الانتباه أن ابن منظور وصف الزمان بأنه زمان العربية في اللحظة نفسها التي يشكو فيها من افتخار العرب بلغة غير لغتهم. وهذه المفارقة هي التي تجعلني أقول إن المتغير والمنحط في ذلك العصر لم يكن البيان وأفقه، بل البيئة المحيطة به، فالعصر قد يضطرب لكن دون الوصول إلى تغيير الأفق اللغوي، ومن علامات ذلك أن ابن منظور وهو يؤلف معجمًا لفظيًا مجردًا من الإنتاج البياني، جعل شكواه متجهة إلى افتخار الناس بلغات غير العربية، وهي شكوى ثقافية من النوع الذي يصفه ابن خلدون عندما قال، إن المغلوب يولع بتقليد الغالب. ومن اللافت للانتباه أيضًا أن ابن منظور يشكو الزمان ببيان أدبي جعل فيه لسان العرب كسفينة نوح، وناس زمانه كالقوم الذين سخروا من نوح وهو يصنع الفلك. وهذا التشبيه دليل آخر على أن البيان -آنذاك- هو الذي ينظم طريقة العرب في النظر إلى الوجود، فالكلمات المعجمية ومعانيها تساوي أن يحمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين. والفرق بين وجود سفينة تحمل رمزية معنى الإنسان، وبين وجود الإنسان بلا سفينة هو الذي ينقلنا إلى العرب المحدثين، عرب ما بعد البيان، أي القوم الذين يتكلمون العربية ويكتبون بها لكنها لم تعد هي الأفق الذي يفكرون به. وقبل كل شيء المقالة لا تريد بالبيان ما أراده محمد عابد الجابري حين أشار إلى أن البيان نظام معرفي محدد تاريخيًا، تبلور في عصر التدوين يقوم على اللغة والنص والقياس ويمكن نقده وإعادة ترتيبه لصالح أفق برهاني، إنما تريد المقالة أن تتناول البيان بما هو أفق سابق على كل تصنيف، أفق كانت العربية -من خلاله- ترى العالم قبل أن تدرجه العلوم في قوالبها، لهذا فإن المقالة تقسم العرب إلى عرب بيان وعرب ما بعد البيان، إذ في العصر العربي الحديث تحولت مراكز الإنتاج المعرفي إلى لغات متعددة، واستقبلت بالترجمة والشرح المتعولم، وصار الناس لا يتذمرون من أهل زمانهم كما فعل ابن منظور، إنما عن قصور العربية عن مواكبة العلوم أو ضيقها عن المصطلحات، وقد تذمر حافظ إبراهيم من تذمر الناس فقال على لسان العربية: «فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة/ وتنسيق أسماء لمخترعات». هذه النقلة هي التي تصنع واقع (ما بعد البيان)، فالعربي الحديث في كثير من تجلياته يكتب بالعربية لكن جهاز تفكيره يتشكل خارجها، ينهل من مفاهيم صيغت في لغات أخرى، ثم يبحث لها عن مقابلات في لسان العرب؛ لهذا كانت اللغة عند الكتاب العرب -ابتداء من صحف النهضة العربية- سليمة نحويًا وقد تكون أنيقة أسلوبيًا، لكنها لا تصنع أفقًا خاصًا للنظر ولا تنشئ طريقة عربية مميزة في فهم العالم. إذن إذا صح ما قالته المقالة، فإن البيان العربي قديمًا كان في معزل عن التأثر بعواصف العصر؛ وكأن البيان هو الأرضية الثابتة لأفق العرب القدماء. ولكي نعرف ما معنى أن البيان العربي -آنذاك- في معزل عن التأثر بمجريات العصر، لا بد من العودة إلى عبد القاهر الجرجاني الذي جعل البيان هو القوة التي لولاها لما استطاعت اللغة أن تبدع جمالها، ولا أن تنسج المعنى نسجًا رقيقًا، ولا أن تحكم الفكرة، ولا أن تبعث في الكلام أثر السحر، لكن الإشكال أن الجرجاني يقول إن البيان قد لحقه الضيم والخطأ، وأن الناس أصبحوا يرون البلاغة إشارة بالرأس أو العين. والسؤال: إذا كان الجرجاني توفي قبل ما سمي عصر الانحطاط، فكيف يشتكي من ضعف الحس البياني؟ المقالة ترى أن جواب ذلك يكمن في أن الانحطاط ليس زمنيًا عامًا بل مكانيًا وجوديًا، يعني أن الانحطاط ليس مرحلة زمنية تبدأ بعد سقوط بغداد، إنما خلل في العلاقة بين اللغة والوعي يظهر في أماكن قبل غيرها، وعلامة ذلك أن الجرجاني عاش في جرجان، مدينة يغلب عليها اللسان الفارسي، ولم تكن العربية فيها أفقًا للوجود. وبمعنى آخر: الانحطاط يبدأ من الداخل، من انهيار الوعي بطريقة اشتغاله بلغته، وليس من الخارج (السياسة والحروب والاقتصاد...إلخ)؛ لهذا لما تخلى العرب المحدثون عن البيان بوصفه قاعدة صلبة تشرح النظرة الوجودية، فإني لا أستطيع أن أجعل شكواهم من الزمان امتدادًا لشكوى ابن منظور؛ إذ أصبح أفقهم (ما بعد البيان)، متعلقًا بالنظرة الحديثة التي يلحق فيها بيانهم -إن صح أن نسميه بيانًا- الحياة المتعولمة في سلوكياتها، والتجريبية العلمية في أدواتها، ومن ثم أصبح هذا الأمر ينتج أدبًا لا شأن له بالبيان العربي. ومن هنا فإن كتاب العرب المحدثين لا يوصفون بانحطاط عصر لذاتهم، بل لغيرهم، وهذا ما جعل أدبهم كأنه ترجمة وليس أصيلًا. التفاتة: إذا كان موضوع الفلسفة الإنسان، فإن البيان مجال ابتكار معاني الإنسان عند العرب الأوائل، ومن ثم هو المدخل التجديدي في فلسفتهم. وهذا ما فقده العرب المحدثون.