ذلك الطفل يحب أن يلعب، هو حقه كغيره، وإن تغب وسائل الترفيه فهو يبتدع له وسائل ترفيهية تبعث في نفسه الصغيرة الأنس والسلوى، يتذكر أحمد جيدا ذلك الدجاج الذي كان يمثل له سلوة وأنسا لا يعادله أنسا يصبح معه وهو يباكر إخراجه من ذلك (الكرس) الحجري الذي صممه وبناه من الحجارة بالتعاون طبعا مع أصدقاء الترفيه الذين حاولوا جهدهم أن يجعلوه كرسا منيعا ضد القطط اللعينة التي تحفر الأرض لتصل لذلك الدجاج ويساعدها في الشيطنة وفي الغزو الثعالب وحيوان الشمعة. إنه في غاية الأنس أن ذلك الدجاج وفصوله وفراخه لم يمسها سوء وهو يستمتع برؤيتها في الصباح، وهو يراها تزف صغارها إلى (العطف)، يلاحظ كل دقائق حركتها وألوانها وما تأكل وما تدع. فإذا جاء الغروب أودعها ذلك الكرس وترك لكبيرها حرية أن يبات هنا أو يرحل هناك حيث (المنوامة) التي صممها خصيصا له يصعد عليها بعيدا وآمنا من غدر الغادرين. ويتذكر أحمد أيضاً أن من وسائل الترفيه التي كانت تغذي طفولته تلك (المدريهه) التي علقت حبلها جدته ذات يوم بشجرة (السمرة) المجاورة لبيتهم حيث يتدلى منها باتجاه الفضاء الذي يبعث في روحه المتعة. وحين أصبح شابا كان يبحث ورفاقه عن مصادر أخرى للترفيه، وقد وجدوها أو أن حاجتهم للترفيه قد دفعتهم لها فاخترعوا عدة ألعاب، بعضها نهارية يجتمع عليها الرفاق.. كلعبة (اللقيم)، التي كان يجتمع لها الفتيان وتؤدى بصورة جماعية وآلياتها تقوم على عصا تسمى (صميلا) يقطع من شجرة سدر أو سلام في طول متر، وكرة صغيرة تلف من خيوط بقايا الثياب التالفة حتى تصبح كرة صغيرة يمكن رميها إذا ما رفعها الملقم، ويقسم الفتيان لفريقين، بعد أن تتم القرعة، يبدأ اللاعبون ضرب الكرة بطريقة تبادلية، كان أحمد يقضي جزءا من وقته في التسلية باللعب أو المشاهدة. وهناك ألعاب أخرى من واقع الحياة التي يعيشونها تمثل (الزقرة).. والقحيم) وهي مسابقة للقفز على التراب، وربما أفادوا من الطبيعة التي يتعاطون معها كل يوم فيخترعون لعبا أخرى كلعبة يسمونها (البقيل)، وهي عبارة عن أكوام صغيرة من التراب يتوزعها الصغار ليضعوها في أماكن متفرقة قبل أن يصيحوا (دارعيني يا جعار وادارعك) ولا يعلم أحد بالتحديد لم اختيار هذه العبارة، فيبدؤون بالبحث عن تلك البقيل الصغيرة والعبرة في الفوز بمن يحكم إبعادها عن أعين الفريق الخصم ليسجل عددا أكبر من (البقيل) الذي لم تصل إليه أعين الباحثين. وفي مواسم الظل يجدهم يجتمعون على لعبة (القش)، وهي مشابك الحديد المعروفة توضع لها حفرة صغيرة بحجم الكف بعيدة بأمتار، ويقوم اللاعبون برمي شوكة واحدة، فمن كان أقرب كان دوره في اللعب أولا وبالتتابع حيث تجمع تلك المشابك في مشبك واحد ويرميها اللاعب فإذا وقعت في الحفرة أخذها فرحا وربما علقها بشكل متواصل على صدره علامة على تفوقه وتميزه، وقد يلعبون لعبة (الطاق طاقية) المعروفة. وحين كانت تشط بهم أحلامهم لقيادة سيارة، أو دباب يدوي كان صديقه البارع في صناعة هذه اللعبة حاضرا، وكانت الطبيعة من حوله حاضرة حيث يصنع لهم تارة (دبابا) يسوقه بعصا توضع في رأسها حديدة يستفاد من بقايا علب الحديد الفارغة كعلب التوتة والصلصة لتضم أطرافها ويقبض بها على عود صغير يستخرجه من شجرة (المض) المشهورة في القرية ويأتي دور الطرف الثاني من اللعبة وهو حديد على شكل صحن مدور تقوده تلك المسكة في طرقات القرية.. وأحيانا يعمد لصناعة سيارة من أربعة كفرات يسير بها في القرية ويتفاخر بها على قرنائه، يصنعها صديقهم الماهر، يشكلها من الطبيعة من حوله ومن موهبته الخاصة يبدأ في صناعتها على شكل سيارة تماماً يصنعها من الحديد اللين الذي كان يلتقطه من بقايا (الشبوك) التي كان والده يدور بها على البلاد لتمنع دخول الحيوانات للمزارع. وتبقى بقايا من حديد يرمى فيلتقطه أحمد وصديقه الماهر ليصنع منه سيارة يتحرك بها وسط المزارع. أما صديقهم في القرية المجاورة فكان بارعا أكثر في صناعة سيارة كتلك ولكنها تسير في الطرقات دون صوت الاحتكاك في السيارة السابقة حيث يصنع لها كفرات أكثر شبها بكفرات السيارات وما عليه سوى أن يبحث عن أحذية قديمة ويبدأ ببراعة في الإحماء على علبة تونة فارغة فإذا حميت سلطها على حذاء من الأحذية القديمة المسماة (زنوبة) فاستوى كفرا يضعه لتلك السيارة، وهي وإن كانت بدائية في الطبع لكنها تعبر عن براعة وقدرة في ابتكار لعب يسر بها ويعيش مع تفاصيلها الماتعة وهو يتحرك بها بين أطراف (الزهوب) مستمتعا بكل تفاصيل حركتها. عبدالرحمن المحسني-شاعر وناقد