قد يكون أكثر أمر مربك للمرأة أن يحتفل العالم بيوم عالمي لها بينما تظل هي في داخلها تخوض معركة صامتة لإثبات أنها تستحق هذا الاحتفاء. في كل عام يأتي اليوم العالمي للمرأة محملًا بخطابات التقدير، وصور الإنجاز، وقصص النجاح التي يعاد سردها بوصفها دليلًا على التحولات التي شهدتها حياة النساء في العقود الأخيرة، ومع ذلك يبرز سؤال مهم لدى الكثير بعيدًا عن هذا الكرنفال الاحتفائي: هل هناك مشكلة في نقص -أو عدم- الاعتراف؟ أم في الطريقة التي أصبحنا نربط بها قيمة الإنسان باعتراف الآخرين به؟ في التجربة اليومية للمرأة لا يتشكل شعورها بذاتها فقط عبر ما تحقق من أدوار أو إنجازات، بل عبر شعورها الدائم بأن عليها أن تثبت شيئًا ما لأحد ما. أن تثبت قدرتها داخل أسرتها كأم مثابرة وزوجة مميزة، وأن تثبت كفاءتها في عملها، واتزانها وأدوارها المهمة في مجتمعها. ومع مرور الوقت تتحول هذه الحاجة من إثبات الذات الصحي للنمو والتطور إلى حالة من الاستنزاف النفسي غير المرئي، وتصبح الحياة سلسلة طويلة من الاختبارات غير المعلنة. من المفارقات أن هذه الدائرة من محاولات إثبات الذات المستنزفة للمرأة من حيث لا تعلم نقطة بداية متجددة تبحث عنها متعطشة، وليس نقطة وصول ترتاح إليها أخيرًا. لأن الاعتراف الخارجي من الآخرين بطبيعته متغير ومؤقت، وكلما حصلت على تقدير ما، بدا وكأنها تحتاج إلى تأكيد جديد وكأن القيمة الإنسانية أصبحت «شيئًا» ينبغي الدفاع عنه باستمرار. في هذه اللحظة تبدأ المرأة دون أن تنتبه في بناء صورتها عن نفسها عبر أعين الآخرين، تنظر إلى ذاتها كما يراها المجتمع المحيط بها أو كما يريد أن يراها وبقدر ما يحتاجه منها. وهنا تتشكل واحدة من أكثر المفارقات قسوة في حياة المرأة المعاصرة: أن تنجح في إقناع العالم بها، بينما تظل في داخلها غير مقتنعة بنفسها تمامًا. هذه الدائرة من محاولة إثبات الذات غير المجدية -وغير الملحوظة غالبًا- لا يقتصر أثرها على المرأة وحدها، بل تمتد إلى الثقافة العامة التي تتشكل أمام أعين الأجيال الجديدة من الفتيات، فعندما يصبح الاعتراف الاجتماعي هو المعيار الأساسي للقيمة، يتحول الظهور -كيفما كان شكله- إلى هدف بحد ذاته. ويصبح الحصول على الانتباه -من أي كان وبأي وسيلة- طريقًا مختصرًا نحو الشعور بالوجود والذات. لهذا قد نرى لدى بعض الأجيال الشابة من الفتيات أشكالًا من التعبير المبالغ فيه عن أنفسهن، أو سلوكيات تتجاوز حدود الذوق العام، وهو ليس بالضرورة ضعفًا في القيم بقدر ما هو شعور عميق وغير مفهوم بأن الاعتراف بي ككيان هو الطريق للشعور بالقيمة. الحقيقة التي يغيب حضورها وسط ضجيج هذه الدوامة من الاحتفاء والتقدير والإنجاز والنجاحات هي أن تقدير الذات لا يُبنى بشكل أساسي في الخارج، فالأحكام الاجتماعية بطبيعتها متقلبة ومتغيرة مع الأزمان والأذواق والتحولات الثقافية، لذلك فإن من يربط قيمته الشخصية بهذه الأحكام سيظل دائمًا رهينًا لمزاج تغيراتها، ينتظرها حين تغيب ويخشى فقدانها حين تأتي. لعل ما جعل مقياس تقدير الذات مرتبطًا بمدى الإنجاز الذي تحققه المرأة للآخرين في مختلف المجالات هو شيوع «إصدار الأحكام» على الآخر منها هي أولًا، فالحكم على الآخر ليس إلا الوجه الآخر لمنطق المقارنة ذاته، وفي كلا الحالتين تبقى أسيرة للدائرة ذاتها: دائرة التقييم الخارجي. السلام النفسي -وهو أعظم ما يمكن أن يسعى له الإنسان امرأة أو رجل- لا يوجد أبدًا داخل هذه الدائرة، يبدأ حينما تتوقف المرأة عن قياس ذاتها باستمرار على ميزان الآخرين، وحين تدرك أن قيمتها لا تحتاج أن تُثبت كل يوم. فالرضا عن الذات لا يعني التوقف عن الطموح ولا القبول بما هو قائم دون رغبة حقيقية بالتطور، بل هو ببساطة أن تتحرر من عبء إثبات الجدارة حتى يُصبح الطموح جزءًا طبيعيًا من رحلة الحياة وليس وسيلة لإقناع الآخرين بها. كل ما سبق من أسطر في هذه المقالة يمكن قراءتها وهي موجهة أيضًا للرجل، ولكن الرسالة التي يمكن أن تحملها بشكل خاص للمرأة لمناسبة اليوم العالمي لها هي دعوة للتوقف قليلًا عن محاولة إقناع العالم بها، ففي نهاية الأمر لن يتحقق سلامها النفسي من التصفيق ولا المقارنات ولا حتى من الإنجازات التي تتم لأجل إرضاء الآخرين، السلام يولد حينما تدرك المرأة أن الطريق إلى تقدير الذات لا يمر عبر أعين المجتمع والمحيطين بها بل من تلك المساحة الداخلية التي يتكون فيها معناها الحقيقي لمن تريد أن تكون وماذا تريد أن تكون وإلى أين تريد أن تصل. من العبارات الشعبية الشائعة لدينا في عسير عبارة: «سلام منّي عليّ» تقال حينما يشعر الشخص بتجاهل لحضوره أو كلامه في مكان ما، وتحضرني هذه العبارة اليوم في هذا العام باحتفاء العالم المعتاد في الثامن مارس بالمرأة، والتي بظني أنها تحتاج أن تقولها دائمًا لنفسها بهدوء بعد كل إنجاز تحققه في حياتها وصلت له بجهد أو بدونه، سلامٌ كيفما أكون وأينما أكون وعلى ما أنا عليه.