لم يكن اهتمام الدول المتقدمة بالبحث العلمي، من باب الترف والكماليات المصاحبة للتنمية ومظاهرها البراقة الجوفاء، وإنما كان بسبب إدراكها العميق أن الاهتمام بالبحث العلمي هو الأداة والوسيلة التي من خلالها يمكن تحقيق تنمية فعلية حقيقية وليست زائفة، تنمية تعتمد في منجزاتها على الفكر الإنساني والعقل البشري بإبداعاته ومخرجاته التي يمكن خلالها ترجمة العلم بما يتضمنه من دراسات ومعادلات وتجارب، إلى منتجات نلمسها ونعيشها ونستفيد من ثمارها، سواء أكانت تلك المنتجات كمعلومات نظرية بما تفرزه الأبحاث العلمية من نتائج هامة ونظريات وتوصيات، أو ما تتوصل إليه الدراسات من نتائج عملية خلال التجارب والدراسات المختلفة في المختبرات والمعامل المتخصصة للدراسات العلمية والبحوث المختلفة. وبناء على تلك المسلمات التي تبنتها تلك الدول في الأخذ بأدوات التنمية ووسائلها، تمكنت من تحقيق مشروعها التنموي؛ وأصبحت تلك الدول متقدمة، نتيجة لاستثمارها الصحيح في البحث العلمي بعد أن رصدت له النفقات المناسبة، ووضعت له السياسات المحفزة، ودعمته بإجراءات وآليات تهتم بتوفير بيئات علمية ومؤسسية متكاملة، ترعاها إدارات عليا مسؤولة واعية، تعمل على الدفع بالمؤسسات العلمية ومراكز الأبحاث، لتحفيز مواردها البشرية في استكمال المسيرة العلمية المنتجة بالأبحاث العلمية التي تترجم مخرجاتها، إلى منتجات مادية أو نظرية يستفيد من المجتمع والعالم أجمع. وعليه فإن تلك الدول التي تُدْعى «متقدمة»، لم تكتسب ذلك المسمى اعتباطاً أو أنه مُنح لها صدفة أو مجاملة لمكانة سياسية أو قوة اقتصادية تجمّلت بها شكلياً، وإنما اكتسبته نتيجة لجهود بُذلت في منظومة من السياسات المتكاملة التي وُضعت، ولخطط تنموية متناسقة نُفذت، ولمتابعة شملت كافة محتوى مضمون مستهدفاتها التنموية، في مختلف القطاعات الأساسية المعنية بالتنمية، والتابعة لها التي تخدم القطاعات الأساسية، سواء ما يحتويه ذلك المكون الهيكلي من موارد بشرية وأنظمة وتشريعات وبنية تحتية، أو ما يتطلبه ذلك جميعه من إمكانيات مختلفة ونفقات تشغيلية وغيره. ومن المعروف أن العلوم المختلفة النظرية منها والعلمية، تقدم لنا كما كبيرا من المعلومات المتفرقة والمتخصصة في المجالات المختلفة، وذلك يمثل الرصيد المعرفي والقاعدة التي تنطلق منها البحوث العلمية لدراسة المفاهيم العلمية، بمستوى أكثر عمقاً وأوسع تخصصا وأشد دقة، وعليه فإنه من المهم جداً توفير أهم مقومات التحول المعرفي، وتوجيه الأبحاث العلمية نحو الدراسات التي تفضي إلى تحقيق تحول اقتصادي وتنموي حقيقي، يمكن الاستفادة من مخرجاته في معالجة كثير من التحديات التنموية التي تواجه مسيرتنا التنموية، علاوة على ما يمكن أن تقدمه من نتائج علمية إضافية تساهم في رفد كثير من القضايا المعرفية المستجدة، وما يمكن الوصول إليه من إبداعات لابتكارات مختلفة تستحق الريادة بها. وحيث إن توفر البيانات الصحيحة الدقيقة، يعُد من أهم أولويات مصداقية مخرجات البحث العلمي ودرجة موثوقية نتائجه، فإن ذلك يجعله متميزاً عن غيره من الأبحاث، لأن نتائجه العلمية تساهم فعلياً، في معالجة وحل مشكلات كثيرة، قد نلمس سلبياتها على السطح، بينما يكتنفها الغموض في حيثياتها الظاهرة، وبما يحول دون التمكن من رصد حقيقتها، في حين تكشف الأبحاث والدراسات بالتقصي الشفاف للبيانات والواقع المحيط، كثيرا من الخبايا والمغالطات التي تفسر لنا أسباب كثير من التحديات التي تواجهنا، ولا نجد لها مبررا منطقيا يتناسب مع حجم الجهود المبذولة والنفقات المعلنة. وقد تداول الإعلام منذ فترة قصيرة معلومات من نتائج رسالة ماجستير، تم اعتمادها ومناقشتها، من إحدى جامعاتنا المعروفة؛ والتي كشفت في بياناتها عن حجم الفساد الكبير الذي تعاني منه إحدى الوزارات المهمة جداً في الوطن، والذي يفسر لنا أسباب ذلك الخلل والتعثر في المنجزات والرؤية التي تنتهجها تلك الوزارة، في إدارة هيكلها المؤسسي وفي ضبط مواردها البشرية، وبما لا يخدم تطلعات الوطن ورؤيته، وبما يعيق تحقيق أهدافنا التنموية المأمولة. وعلى الرغم من اعتماد الرسالة ومناقشتها في الجامعة المذكورة كما نشر، إلا أن الجامعة تحاول التكتم على الدراسة وتحول دون نشر بياناتها الشفافة أو التأكيد عليها وإقرارها بعد النشر. والشاهد من ذلك ليست الحادثة بحد ذاتها، وإنما أهمية التنويه لأهمية الأخذ بالأمانة العلمية في الدراسات ونتائجها، سواء من الباحث بالمقام الأول، أو من الجهة أو المؤسسة الراعية لتلك الدراسات، والتي تمنح بموجبها درجة علمية للباحث، وبما يُحمّلها مسؤولية حماية مخرجاتها العلمية من العبث، والتصدي للمغالطات التي قد تواجهها، والتي قد لا ترضي جهات معينة. لا يمكن للتنمية أن تأخذ مسارها الصحيح وتحقق مستهدفاتها المأمولة؛ دون الأخذ بأدواتها العلمية ووسائلها التي انتهجتها الدول التي تتصدر العالم في منجزاتها الصناعية والتكنولوجية المختلفة، والذي مكنها من بناء قاعدة اقتصادية قوية استحقت بها مكانتها السياسية والاقتصادية بين دول العالم، وإن الاهتمام بجودة التعليم ومخرجاته، وبالبحث العلمي وتطويره؛ يعد من أهم الأولويات التي استندت إليها تلك الدول في تحقيق مستوى متقدم من المنجزات التنموية والحضارية الفعلية، والتي احتضنتها مظلة مؤسسية تخدم تلك التوجهات، وساندتها قوانين وتشريعات مؤسسية تعتمد على معايير ومؤشرات، لتقييم مستوى الإنجاز، ومساءلة وحوكمة، كل من يساهم في تعثر تحقيق أهداف الدولة التنموية ويحول دون تبلور تطلعاتها.