الدمام حبيب محمود انبعاثات المدن الصناعية تلوّث الرياح النظيفة وتنقلها إلى الأحياء السكنية. فقر شديد في المناطق الخضراء.. وجزر حرارية ملتهبة تحاصر السكان. تحتاج المدينة إلى مزيد من حملات التشجير لتحسين المناخ الصحراوي الجاف في فصل الصيف؛ يمكن أن تصل درجة الحرارة في أحياء «بدر» و «أُحد» و»المنار» إلى 59 درجة مئوية. وفي أحياء الأمانة والشروق والمطار والفرسان تصل إلى 49. وببساطة يمكن أن تتقاسم أحياء الدمام معدّلاً حرارياً لا يقلّ عن 45 درجة في غالبية الأحياء. هذا الحرّ اللافح؛ لم يأتِ من الصيف وحده، وإنما هناك تدخل بشريّ مُورس عن غير قصد، فأصبحت الدمام واحدة من مدن العالم الشاذة حرارياً. وتدفع مدينة الدمام فواتير باهظة لتنميتها المتسارعة منذ سبعة عقود. وبطبيعة الحال؛ فإن تحوّل قرية صغيرة إلى مدينة كُبرى في مدة زمنية متوسطة؛ من شأنه أن يجرّ مشكلات متعددة على الصعيدين العمراني والسكاني، وهذا بدوره ينعكس على الأوضاع البيئية والصحية والاقتصادية والاجتماعية، ويتطلّب معالجات مستمرّة تتحمّل الأجهزة الحكومية مسؤولياتها المتجددة. لهذا؛ عمدت «الشرق» إلى فتح ملفّ مدينة الدمام، عاصمة المنطقة الشرقية، برصد سجلها التنمويّ الذي سخرت له الدولة إمكانات مادية هائلة، وحظي باهتمام بالغ. وهدف رصد السجل هو تشخيص المشكلات الرئيسة التي تواجهها المدينة الكُبرى بوصفها مشكلات صنعتها التنمية، وتتطلّب حلولاً استراتيجية لتدارك التعقيدات التي تعانيها أمثالها من المدن الكبيرة في العالم. قرية و87 حياً ما إن ألقت الحرب العالمية الثانية أوزارها؛ إلا والدمام تؤسس لنفسها خارطة جديدة. خارطة لا تقتصر تفاصيلها على توسع في المساحة الجغرافية فحسب؛ بل تحوّل القرية البحرية الملمومة عند شاطئ الخليج؛ إلى عاصمة أكبر منطقة إدارية في المملكة العربية السعودية، وتُشكّل بتوسعها المتسارع مدينة تقطنها كلّ قبائل المملكة تقريباً عبر موجات الهجرة المستمرّة القادمة من مناطق البلاد. وعلى امتداد العقود اللاحقة لعام 1945؛ أصبحت «قرية» الدمام مجرد حيّ واحد من بين 87 حياً، أصغرها تزيد مساحته على مساحة تلك القرية التي بدأت عشائر من قبيلة الدواسر في عمارتها عام 1922، بعد نزوحهم من البحرين. وفوق ذلك؛ لم تعد الدمام ملمومة قبالة الشاطئ؛ بل امتدّت من كل جهاتها لتلتحم بالقطيف شمالاً والخبر شرقاً، وتتلاشى بذلك الفواصل الجغرافية. إنها قصة نفط..! قصة الدمام؛ هي قصة رديفة لقصة البترول في بلادنا تماماً. فأول كمية من البترول تدفقت بصورة تجارية كانت من البئر رقم (7) الواقعية في قبّة الدمام. كان ذلك عام 1937. هكذا سمّى الخبراء المكان الذي يقع الآن إدارياً في مدينة الظهران. ولأن الذهب الأسود تدفّق على مسافة كيلو مترات معدودة من أقرب منطقة آهلة بالسكان؛ فإن العيون اتجهت إلى حواف القرية التي تسكنها عشائر من قبيلة الدواسر. النفط صنع وظائف ومهناً واحتياجات؛ فتدفق كثيرون من أبناء المناطق البعيدة على «الشرقية». ولأن كثيراً منهم كانوا من أبناء القبائل والبدو الرُّحّل؛ فإن شركة أرامكو سعت وساعدت على إسكانهم بعيداً عن مساكن موظفيها الأمريكان والمهندسين الأجانب.. فكان الخيار الأنسب وقتها هو مساحة جرداء أطلق عليها اسم Bedouin camp، وهو الحي الذي تمّ تهذيب اسمه بعد سنوات ليكون «حي البادية». وكان هذا الحيّ منطقة قدوم أولى واستقرار لاحق للآتين من المناطق البعيدة. وقد استوعب الحيّ العمّال وأسرهم، ووفّر للشركة مئات من الأيدي العاملة، وأنجَح واحدةً من تجارب «توطين البادية» وإلحاق أبنائها بوظائف مهنية وشبه مهنية في آبار النفط ومرافق أرامكو ومكاتبها وإداراتها المساندة. وفيما راحت أعمال أرامكو تتوسع؛ راحت احتياجاتها البشرية تتوسع في المقابل. و»كَمْبْ البدُوْ» لم يعد مستعداً لاستقبال مزيد من القادمين من المناطق البعيدة؛ فراحت المساكن الجديدة تحاذي حواف حيي الدواسر والعمامرة، وتبدأ تجمعات سكنية متباعدة في التكوّن والتشكل. ولم يعد الأمر مقصوراً على «عمال» شركة النفط، بل وُلدت احتياجات جديدة ولّدت بدورها مهناً وأعمالاً تجارية وجلبت وصنعت رؤوس أموال ومغامرين وباحثين عن حياة جديدة. وطبقاً لموقع إمارة المنطقة الشرقية، فإن الأمير سعود بن عبدالله آل جلوي، رحمه الله، وهو أمير الشرقية وقتها، طلب من شركة أرامكو عام 1947 وضع تخطيط لمدينة الدمام يلبي حاجة النمو المرتقب، فاعتمد ذلك المخطط تقسيم الأراضي في شكل وحدات مستطيلة تتخللها شوارع يتراوح عرضها ما بين سبعين إلى مائة قدم، كما يشمل المخطط شارعاً رئيساً موازياً لساحل البحر». فكان هذا المخطط أول نواة لتوجيه نموّ المدينة عمرانياً وسكانياً. عاصمة الشرقية تمتد أحياء الدمام من البحر حتى عمق الصحراء لكنّ هناك أحداثاً كُبرى كانت تُصنع حول المدينة.. فشركة النفط بدأت بإنشاء ميناء، وأسّست خطوطاً حديدية تربطها بمدينة الرياض، وطوّرت المطار الصغير الذي أنشأته بين الظهرانوالخبر. والأكثر أهمية من ذلك كله؛ أصدر الملك عبدالعزيز، رحمه الله، عام 1950 1370 قراراً تاريخياً؛ هو نقل عاصمة المنطقة الشرقية من الأحساء إلى الدمام. وبناءً على هذا التغيير الكبير؛ لم تعد الدمام بلدة خاصة بسكانها الأوائل وعمّال أرامكو. بل أصبحت مدينة للمستقبل. مدينة تُدار فيها شؤون المنطقة برمتها، وتحرص على مصالح الدولة المتصلة بشركة النفط، وتتولى أمور التنمية والخدمات. ولم يمضِ عام واحد على انتقال أمير المنطقة إليها حتى وصلتها الكهرباء، وافتُتحت فيها فروع الوزارات والأجهزة الحكومية والمرافق العامة، ويتبع ذلك نشاط تجاري وصناعي وسكني متسارع. أمراض حضرية وراحت المدينة تنمو، منزلاً منزلاً، دكاناً دكاناً، حياً حياً. وفي غضون نصف قرن تآكلت كثبان الرمال المحيطة بها. كما تآكلت مساحات هائلة من غابات القرم البحرية. وحلّت محلهما العمارات والفلل والمجمعات التجارية والطرق والحدائق والورش والمصانع. لتنتقل الدمام إلى قائمة المدن الكُبرى بكل ما فيها من مظاهر تنمية وتوسع.. وبقدر ما يُشير ذلك إلى أن التنمية نالت حظها الوافر من التوسع؛ فإنه يشير بالمقابل إلى نُشوء مشكلات معقدة بيئياً وصحياً وسكانياً واجتماعياً. فالدمام لم تنمُ سكاناً ومبانيَ وطرقاً وورشاً فحسب، بل جرّ ذلك النموّ صعوبات مناخية لم يشعر السكان بكل تفاصيلها مباشرة، بوصفهم مأخوذين أصلاً بالانجذاب إليها بوصفها مدينة للفرص صانعة للطموحات، كما هو شأن العواصم والحواضر الرئيسة في دول العالم. أزمة جزر حرارية لكنّ البحث عمّا وراء المباني وما يختبئ في الأحياء يكشف عن كثير. وهذا ما وقفت عليه دراسة علمية في جامعة الدمام قبل أكثر من عشر سنوات، ودقّت ناقوسَ خطرٍ صريحاً يهدّد مناخ المدينة وسكانها ومستقبلها الصحي أيضاً. وذلك باكتشاف ما يُسمّى علمياً ب «الجزر الحرارية» المنتشرة في المدينة وحولها على نحو مؤثر سلبياً. الدراسة أجرتها أستاذ علم المناخ الطبيعي والتطبيقي المساعد بكلية الآداب الدكتورة بدرية الحبيب، واستعانت فيها بالمؤسسة العامة للأرصاد الجوية وحماية البيئة، وجامعة الملك عبدالعزيز بجدة ومركز علوم الفضاء بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وأمانة المنطقة الشرقية ومصلحة الإحصاءات العامة. كما استفادت الباحثة من وكالات ومؤسسات دولية مثل: المكتبة البريطانية، ووكالة الفضاء الأمريكية «ناسا». غابة إسمنت وتوضح الدراسة أن «الجزر الحرارية ما هي إلا استحداث لمناخ أصغر صنعه الإنسان بسوء استخدامه لموارد البيئة، ويتضح جلياً مدى خطورته بمقارنته بمناخ الريف». وهو ما ينطبق على الدمام تماماً، حيث تحوّلت في غضون عقود من «قرية» إلى إحدى المدن السعودية الكُبرى، بواسطة سلسلة من الإنشاءات والمشاريع التي جعلت منها غابة إسمنتية ملتهبة حرارياً ومحاصرة بعديد من مصادر التلوّث. وتؤكد الدراسة أن «الجزر الحرارية تؤثر في ميزانيات المدن المالية، وقد يرتبط بها انتشار ملوثات الهواء والماء وتدهور الصحة العامة للسكان»، خاصة أنها تتشكّل وتتكوّن بفعل الإنسان نفسه. والتاريخ العمراني للدمام يوضح أن القرية الصغيرة توسّعت سريعاً للتشكّل من التوسع أربعة أنماط في الاستخدام، هي: النمط السكني والنمط التجاري، والنمط الصناعي، والنمط الترفيهي. النمطان السكاني والتجاري يتكونان من سبعين حياً وقت الدراسة، ولكنهما وصلا إلى 87 حالياً في الوقت الحاضر. تلويث المناطق الصناعية تتركز الحرارة المزعجة في المنطقة الصناعية (تصوير: أمين الرحمن) وطبقاً للدراسة؛ فإن التركيز الحراريّ عالٍ في المناطق الصناعية الثلاث المحيطة بالمدينة، تليها المناطق الخالية وبالذات الواقعة غرب الدمام. لكن الدراسة تعتبر المناطق الصناعية، أيضاً، سبباً في رفع نسب الملوثات من الغازات الدفيئة التي تؤدي بدورها إلى رفع درجات الحرارة عن معدلاتها الطبيعية، وهو ما يُعرف ب «الشذوذ الحراري» الذي تعانيه المدن الكبرى. إلا أن حجم الجزر الحرارية في المناطق الصناعية لا ينحصر فيها، بل يمتدّ ليشمل مساحات كبيرة حولها. والأشدّ من ذلك هو مستوى التخطيط؛ إذ ترى الدراسة أن مواقع المناطق الصناعية سيئ. حيث تقع المدينة الصناعية الأولى جنوب شرق المدينة، وهذا بدوره يجعل من نسيم البحر في الصيف ناقلاً لملوّثات الهواء والحرارة من المصانع إلى الأحياء السكنية المجاورة لها ولوسط المدينة وشمال مدينة الخبر أيضاً. علاوة على وجود ميناء الملك عبدالعزيز الذي يؤدي النشاط الخدمي عليه إلى رفع حرارة شرق الدمام، كما يُسهم نقل البضائع عبر خط السكة الحديدية في درجة الحرارة أيضاً. كما تنتقد الدراسة، أيضاً، موقع المنطقة الصناعية الثانية الواقعة شمال غرب المدينة، فهو موقع يجعلها تنقل حرارتها وملوثاتها إلى الأحياء الملاصقة لها، كما تنقلها الرياح السائدة إلى وسط المدينة وغربها. وترى الدراسة أن أنسب موقع للمنطقة الصناعية هو جنوب غرب المدينة شريطة إبعاده عن نطاق العمران، فهذا الموقع غير خاضع لاتجاه الرياح السائدة في المنطقة. وميدانياً رصدت الدراسة أن «جميع أحياء المدينة «السكنية والتجارية» تتكون فيها جزر حارة وتراوح بين 41 و43 درجة مئوية. في حين سجلت المناطق الصناعية تشكلاً لجزر حارة وحارة جداً تراوحت بين 44 و49 درجة. واقتربت من هذا المستوى الأراضي الفضاء بين 44 و46، ثم الطرق الرئيسة بين 42 و44. لكن الحالة انخفضت في المناطق المستخدمة ترفيهياً، حيث تراوحت درجة الحرارة فيها بين 36 و38 درجة مئوية». هذا ما رصدته الدراسة قبل سنوات؛ لكن «الشرق» رصدت وصول درجة الحرارة في حيّ سكة الحديد خلال الشهر الماضي. الخضرة مطلوبة بكثافة في كل الأحياء (تصوير: أمين الرحمن)
حدائق قليلة وعلى الرغم من أن الدراسة تصنّف الحدائق والمناطق الخضراء ضمن نمط الاستخدام الترفيهيّ؛ فإنها تعتبرها جزءاً أساسياً من الحلول البيئية والمناخية، بل تنتقد قلتها في أحياء المدينة، ورأت بصراحة أن «المخططات البلدية الحديثة لم تُعنَ بإقامة الحدائق والمتنزهات في الأحياء الجديدة الواقعة شرق وغرب الدمام ما أسهم في رفع درجة حرارتها»، على العكس من منطقة القلب التي تكثر فيها الحدائق العامة نسبياً. وتذهب الدراسة في انتقادها إلى القول إن «استخدام الأرض في مدينة الدمام معظمه سكني وتجاري يليه الأراضي الفضاء ثم الاستخدام الصناعي، بينما تمثل الزراعة والحدائق والاستخدام الترفيهي أقل الاستخدامات على الإطلاق». المخطط الأول الأمير سعود بن عبدالله آل جلوي الأمير سعود بن عبدالله آل جلوي، ثاني أمير للمنطقة الشرقية، هو الذي طلب من شركة أرامكو السعودية، عام 1947 أن تضع مخططاً توجيهياً لمدينة الدمام، فكان ذلك المخطط النواة الأولى لتوسع المدينة. وقد وُضع المخطط قبل تحوّل المدينة إلى عاصمة المنطقة الشرقية بثلاث سنوات. توصيات الدراسة * وضع اعتبارات البيئة الصحراوية عند تخطيط المدينة. * مراعاة اختيار مواد البناء ولون دهان المنشآت. * زيادة عدد الحدائق وتكثيف تشجيرها. * تحديد وجهات المباني نحو الشرق. * تسوير الأحياء الجديدة بحزم نباتية متتابعة * تشجيع العمران في المناطق الصحراوية. * الاهتمام بالتشجير أكثر للمساهمة في جودة الهواء. * تشجير السباخ الساحلية بنباتات المانجروف. الحرارة في الدمام أعلى من القطيف ب 8 درجات مئوية القطيف هي الظهير الزراعي للدمام، ويتضح فيها أن 60% من مساحتها تقريباً هي أرض زراعية وتصنف أراضيها على أنها واحة قديمة يرتفع فيها منسوب المياه الباطنية، وهذا بدوره أثَّر كثيراً في اختلاف درجات الحرارة بين الدماموالقطيف. في القطيف تمتد المناطق السكنية على السهل الساحلي المطل على الخليج العربي وفي جنوب جزيرة تاروت ومعظم المساكن في هذا القطاع تنتمي إلى المساكن الحديثة ذات الطابقين.