تعرفه المنصات مثقفاً وأستاذا وصحافيا وإعلاميا ومسؤولا، تألفه المناسبات صاحب فكر ومصاحبا للثقافة والمعرفة، يمتلك «كاريزما» خاصة، وتوليفة حجازية بنكهة أدبية، تحتار وأنت تواجهه، فهو شخصية مركبة مذهلة من الهدوء والفكر وبُعد النظر. أطل من الطائف التي جال فيها طفلا ويافعاً، يقلب في تراثها أصالة الثقافة. أبسط تعريف ل«عثمان الصيني» أنه أستاذ اللغة العربية والإعلامي والمثقف والباحث والمفكر ورئيس التحرير والأديب، وهي صفات التصقت به، فلاصق أبعاداً متنوعة من الإبداع، بدأها منذ كان طالبا في الثانوي، يجوب مكتبات الطائفومكة، ويتجول بين مبانيها ومتاحفها كشاهد عيان على التاريخ، وصاحب بيان، باحثا عن «الحجة» لاغيا «الاحتجاج». لا يكترث الصيني كثيرا بالمسميات، ولا يلتفت إلى التصنيفات، وإن كثر الجدل تجده ينثر العدل بقامة الحقائق، يمتلك قاموساً عجيباً من المفردات، ليس كونه مختصا في اللغة العربية فحسب، ولكنه قارئ نهم عانق القراءة باكراً، وعانقته الكتابة، ما جعله مطمحا للثقافة وطموحا للمثقفين. في الثمانينيات، عمل الصيني أستاذا للغة العربية في الطائف، التي كانت حينها تعج بالقادمين من سهول الحجاز، بحثا عن نكهة الثقافة الطائفية. وكان الصيني حينها عرابا للمثقفين من شعراء وأدباء ونقاد وقاصين وروائيين، فكان رمزا لهم. في نادي الطائف الأدبي صال الصيني وجال، ووظف فكره في مساندة أبناء جيله. وكان ولا يزال مثقفو الطائف يدينون بالفضل للصيني الذي حول الثقافة إلى كيان واسع، وفكر متسع لا يرتهن إلى مسمى، ولا يرتكن إلى موقع، بل نقل الثقافة والفكر من الطائف إلى مكةوجدة، وكل أرجاء الوطن بمسارات جديدة وتحديات متجددة. واجتمعت الثقافة والفكر والتعليم الأكاديمي والتاريخ والإعلام في قامة الصيني، الذي كان مطمعا ومكسبا للصحف السعودية التي كانت تتفاخر بكتاباته ورؤاه حتى انتقل عام 2000 لصحيفة «الوطن»، حيث تولى فيها منصب نائب رئيس التحرير. وظل الصيني ينثر إبداعاته، وسابق أسماء سبقته بعشرات السنين، حتى نال ثقة مؤسسة عسير ليتولى رئاسة تحرير الوطن، فجعلها تتفوق على غيرها في مجال الرأي تحديدا، كونه الخبير في الرأي الشهير بالرؤية، فكان محترفا في انتقاء الكتاب. وعندما انطلقت صحيفة «مكة» كان الصيني يقف على رأس الهرم التحريري، أخا للجميع وزميلاً ملازماً للكل، وظف فكره وخبرته في قيادة الصحيفة الشابة، فكانت روحه واضحة بين الصفحات. بالأمس ترجل الفارس عثمان الصيني، وقدم استقالته. غادر «مكة» تاركا فيها أسلوب عمل وحياة، خرج الصيني مبتسماً كعادته، ترك تاريخا من الإنجازات والنجاحات.. خرج راضيا عما قدمه.. استقال وعينه على حقبة ناجحة، وعين أخرى على درب جديد من المستقبل ستحمله الأيام المقبلة.