قبل أكثر من 25 عامًا، وبين قاعات جامعة الملك سعود، لم أكن أدرك أن مادة اختيارية في كليّة الحاسب الآلي ستقودني إلى عالم كامل لم تتضح ملامحه بعد، كان الذكاء الاصطناعي آنذاك أشبه بفكرة غامضة، تثير الفضول أكثر مما تقدم الفهم، ومع ذلك، وجدت نفسي منجذبًا إليه، لا بدافع الوضوح، بل بدافع الانبهار. في تلك القاعة، مع الدكتور خالد الغنيم الذي أكنّ له كثيرًا من الامتنان، بدأت أولى خطواتي في هذا العالم، لم يكن الحديث عن روبوتات تتحدث أو أنظمة تكتب، بل عن تحليل، وقياس معطيات، ومحاولات لفهم الأنماط الخفية في الأرقام، ومن باب شغفي بالمجال الرياضي، اخترت مشروعًا شخصيًا لتصميم نظام يتوقع نتائج مباريات الدوري السعودي، لم يكن مجرد تمرين أكاديمي، بل تجربة حقيقية أعيش تفاصيلها، أجمع البيانات؛ ترتيب الفرق، نتائج خمس سنوات، تاريخ المواجهات، وأبني نموذجًا يحاول التنبؤ، ثم أنتظر المباراة، وأقارن، وأكتشف الفجوة، وأعود لأحسّن وأقلل الانحراف، كانت تجربة تعلّمك كيف تفكر، وكيف تتعامل مع الخطأ كفرصة للتطوير، لا كعائق. في ذلك الوقت، لم يكن الذكاء الاصطناعي كما نراه اليوم، لم يكن يصنع الصور ولا يكتب النصوص، بل كان علمًا يعتمد على التحليل والاستنتاج، وعلى محاولة فهم العالم من خلال الأرقام، ومع مرور السنوات، تحول هذا المفهوم الغامض إلى قوة هائلة تُعيد تشكيل كل شيء من حولنا، من الإعلام إلى الاقتصاد، ومن التعليم إلى تفاصيل حياتنا اليومية. هذا التحول يطرح سؤالًا مهمًا: كيف يمكن للتعليم أن يواكب هذا التغير؟ الإجابة تبدأ من أهمية ربط المواد الدراسية بواقعنا ومستقبلنا، لأن الطالب حين يدرس شيئًا يلامس اهتمامه أو يرتبط بما سيعيشه لاحقًا، فإنه لا يتعلم فقط، بل ينخرط، ويبدع، ويستثمر ما يتعلمه بشكل أعمق، تجربتي مع تلك المادة لم تكن مجرد مقرر دراسي، بل كانت نقطة تحول، لأنها لم تكن بعيدة عن اهتماماتي، بل التقت مع شغفي، فصنعت أثرًا امتد لسنوات. الأرقام اليوم تؤكد هذا الاتجاه، حيث تشير تقارير عالمية إلى أن أكثر من 75 % من الشركات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في أعمالها، وأن ما يقارب 60 % من الوظائف ستتأثر بهذه التقنيات خلال السنوات القادمة، وفي جانب التعليم، أظهرت دراسات أن الطلاب الذين يتعرضون لمحتوى مرتبط بالتقنيات الحديثة ترتفع لديهم مستويات الفهم والدافعية بشكل ملحوظ مقارنة بالأساليب التقليدية. وفي وطننا الغالي السعودية، يتجلى هذا الوعي بشكل واضح ضمن رؤية 2030، حيث تتجه الجهود نحو بناء اقتصاد معرفي قائم على التقنية، وتشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم بأكثر من 135 مليار دولار في الاقتصاد الوطني بحلول عام 2030، كما يتم العمل على إدخال مفاهيمه في المناهج التعليمية، وتدريب الكفاءات الوطنية، بما يعزز جاهزية الجيل القادم. أعود مرةً أخرى إلى هذه المادة التي اخترتها، لأؤكد أن ربط التعليم بالمستقبل لا ينعكس فقط على مستوى الطالب، بل يمتد أثره إلى المجتمع، فحين يتخرج الطالب وهو يمتلك أدوات تحليلية وفهمًا عميقًا للتقنيات الحديثة، فإنه يصبح عنصرًا فاعلًا في التنمية، قادرًا على الابتكار، وعلى تحويل المعرفة إلى قيمة حقيقية. تجربتي مع تلك المادة قبل أكثر من ربع قرن كانت بداية بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأنها فتحت لي بابًا واسعًا لفهم عالم كامل، واليوم، ونحن نعيش في قلب هذا التحول، ندرك أن بعض القرارات الصغيرة في التعليم قد تصنع فارقًا يمتد لعقود، وأن المعرفة التي تتصل بالحياة وتلامس واقع الإنسان، هي وحدها التي تبقى أثرًا لا يزول، وتمتد قيمتها أبعد من الزمن.