في الثامن والعشرين من أبريل، تتجه الأنظار عالمياً نحو معدات الوقاية؛ الخوذة الصلبة، والسترة الفسفورية، وأحذية الأمان، وكأن السلامة مجرد هندسة للأجساد. لكن خلف هذا المشهد الفني الجاف، تقبع حقيقة غائبة ومذهلة في آن واحد: أن أخطر إصابات العمل لا تترك أثراً على الجلد، بل تخدش الروح وتفتت الكرامة المهنية. السلامة في مفهومها الأعمق والأصيل لا تعني غياب الحوادث الجسدية فحسب، بل تعني حضور الأمان النفسي الذي يسمح للموظف أن يتنفس بعيداً عن كتم الأنفاس البيروقراطي، ويؤدي رسالته دون خوف من ترصد أو تهميش. إن الأصالة التي ننشدها في الموظف، هي تلك الجودة النادرة التي تميز المبدع عن المقلد ولا يمكن أن تنمو في بيئة مسمومة تفتقر لليقين الوجداني، فحين يغيب الأمان، يتحول الموظف إلى مجرد نسخة باهتة، آلة بشرية تطبق الإجراءات بحرفية ميتة خوفاً من سياط العقاب، أو هروباً من لؤم كهنة المكاتب الذين يقتاتون على تقزيم الناجحين وتحويل المؤسسات إلى إقطاعيات شخصية. هنا، لا تحميه الخوذة من شظايا التعامل الفظ، ولا تقيه سترة النجاة من الغرق في بحر الاحتراق الوظيفي. فالبيئة التي لا تحترم أصالة الفرد وقيمته الإنسانية هي بيئة مكشوفة مهنياً، مهما بلغت درجة التزامها بالمعايير الهندسية الصارمة. تكمن الدهشة في إدراكنا أن أنسنة شروط السلامة هي المطلب الملحّ في عصر التحولات الكبرى؛ فليس كافياً أن نؤمّن المسار للمشي، بل يجب أن نؤمّن المسار للتفكير والاختلاف الرصين. إن القائد الحقيقي هو من يدرك أن حماية عقل الموظف من الإحباط هو استثمار سيادي يفوق حماية يده من الخدش. فالمنظمة التي تستثمر في العدالة الناجزة وشفافية التقدير، تبني حصوناً من الانتماء لا تهدمها رياح الأزمات. إننا بحاجة إلى ثورة في مفاهيم السلامة المهنية، تضع الصحّة الروحية في مقدمة الأولويات، وتجعل من كرامة الإنسان خطاً أحمر لا يقبل التجاوز تحت أي ذريعة إدارية أو تنظيمية. ونحن نرقب هذا اليوم العالمي، يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: هل يعود الموظف إلى منزله بقلب سليم؟ مفهوم النجاح الحقيقي للمؤسسات لا يُقاس بسجل صفر حوادث في المواقع الإنشائية، بل بسجل صفر انكسارات في النفوس المبدعة، فالسلامة هي أن يشعر الموظف أنه أصيل في مكانه، مقبول في اختلافه، ومحمي في طموحه.. إذ إن المكان الذي يمرض فيه الشغف هو مكان غير آمن، والوظيفة التي تغتال إنسانيتنا هي مخاطرة كبرى لا تستحق العناء. * بصيرة: لنبني بيئات عمل تحمي الإنسان قبل أن تحمي المبنى، ولنجعل من الأمان النفسي ثقافة حياة، لا مجرد شعار يُرفع في مناسبة دولية عابرة.