العميل النفسي لا يدخل غرفة العلاج كأي زائر عابر. لا يذهب ليحكي قصة عادية، بل ليكشف أكثر أجزائه هشاشة. يدخل وهو يحمل صدماته، قلقه، أسراره، وتاريخه الشخصي الذي لم يطلع عليه أحد. في تلك اللحظة، يكون قد اتخذ قراراً شجاعاً: أن يثق. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو: من يحمي هذه الثقة؟ المهنة النفسية في جوهرها علاقة غير متكافئة بطبيعتها. المعالج يمتلك المعرفة والأدوات، بينما العميل يأتي في حالة ضعف أو احتياج. هذه المعادلة تفرض مسؤولية أخلاقية مضاعفة على المختص، لأن أي انحراف بسيط في هذه العلاقة قد يتحول إلى ضرر عميق. ومع ذلك، فإن الواقع يكشف عن فجوات مقلقة في حماية العميل النفسي، فجوات لا يمكن تجاهلها بحجة أنها حالات فردية. تتردد في السنوات الأخيرة أخبار عن تحرش أو استغلال عاطفي داخل الإطار العلاجي، وعن انتهاكات لخصوصية العملاء، وعن مراكز توظف أشخاصاً غير مؤهلين لمجرد ملء الشواغر أو زيادة الأرباح. هذا الأمر يضرب في صميم المهنة. فالتحرش داخل غرفة العلاج ليس مجرد سلوك غير أخلاقي، بل خيانة لثقة بُنيت على ألم. والعميل الذي يتعرض لمثل هذا الانتهاك لا يخسر جلسة علاجية فحسب، بل قد يخسر ثقته في فكرة العلاج نفسها. الخصوصية أيضاً ليست تفصيلاً إدارياً يمكن التساهل فيه. الملف النفسي لا يشبه أي ملف آخر. هو وثيقة إنسانية تحتوي على أكثر الجوانب حساسية في حياة الفرد. حين يُفشى سر، أو يُتداول حديث خارج الإطار المهني، أو تُحفظ البيانات بإهمال، فإن الضرر لا يكون قانونياً فقط، بل نفسياً وأخلاقياً. العميل الذي يشعر بأن أسراره لم تكن في أمان لن يعود بسهولة لطلب المساعدة، وقد يختار الصمت على الألم بدلاً من المخاطرة مرة أخرى. المشكلة لا تتوقف عند الأفراد، بل تمتد إلى بعض المنظومات التي لا تضع حماية العميل في مقدمة أولوياتها. حين يُسمح لأشخاص غير مؤهلين بتقديم جلسات علاجية، أو لا يتم التحقق بدقة من شهاداتهم وترخيصهم، فإن الباب يُفتح أمام أخطاء مهنية قد تكون مكلفة. العلاج النفسي ليس مساحة تجريب، ولا مجالاً يمكن دخوله دون إعداد علمي راسخ وإشراف مهني واضح. هو مهنة تتعامل مع الصدمات، والاضطرابات، والهشاشة الإنسانية، وأي تهاون فيها ينعكس مباشرة على حياة الناس. إذا أردنا الحفاظ على سمعة المجال النفسي وتعزيز الثقة فيه، فلا بد من صياغة قوانين وأنظمة واضحة تحمي العميل قبل أن يقع الضرر. الحماية لا تعني التشكيك في المختصين، بل تعني تنظيم العلاقة بما يضمن سلامتها. وجود آليات رقابة، ومسارات شكوى آمنة، وإلزام الممارسين بمواثيق أخلاقية واضحة، ليس إجراءً شكلياً، بل رسالة بأن كرامة العميل خط أحمر. الثقة هي رأس مال المهنة النفسية. وحين تهتز هذه الثقة، تتضرر المنظومة بأكملها. الناس لن يفرقوا بين ممارس ملتزم وآخر متجاوز، بل قد يعممون الحكم على المجال كله. لذلك فإن حماية العميل ليست فقط حماية لفرد، بل حماية لمهنة تقوم على الأمان. حين يدخل الإنسان غرفة العلاج، يجب أن يشعر أنه في أكثر الأماكن أماناً، لا أكثرها خطورة. يجب أن يعرف أن القانون يقف إلى جانبه، وأن المهنة تحميه، وأن أي تجاوز سيواجه بردع واضح. العلاج النفسي يبدأ من الشعور بالأمان، وإذا لم يكن الأمان مضموناً، فلن يكون هناك شفاء حقيقي. إن حماية العميل النفسي ليست مطلباً مثالياً، بل ضرورة ملحة. فالمجتمع الذي يشجع أفراده على طلب المساعدة، عليه أيضاً أن يضمن لهم أن هذه المساعدة آمنة. والأخلاق، مهما كانت راسخة، تحتاج إلى نظام يحرسها، حتى تبقى غرفة العلاج مكاناً يُعاد فيه بناء الإنسان، لا مكاناً يُكسَر فيه من جديد.