ابتسم الطيار السوداني محمد دفع الله وهو يحيي ركاب الطائرة التي حطت في مطار الخرطوم الذي تحل الأربعاء الذكرى الثالثة لتدميره مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع والتي ما زالت تمزق البلاد. وقال الطيار لوكالة فرانس برس بفخر "إنه شعور رائع أن تعيد الناس إلى ديارهم وأن نستعيد وطننا". حين اندلعت الحرب يوم 15أبريل /نيسان 2023، كان مطار الخرطوم إحدى أولى ساحات المعارك. ومع الوقت تحولت صالاته المدمرة والطائرات المتفحمة على المدرج إلى واحد من رموز الحرب في السودان. وفي بداية العام الماضي أطلق الجيش عملية عسكرية واسعة انتهت باستعادة الخرطوم بعد معارك ضارية امتدت إلى داخل المطار الذي كانت تسيطر عليه قوات الدعم السريع كما باقي العاصمة. وخلال الأشهر الماضية، بدأت الحكومة الموالية للجيش أعمال إعادة الإعمار شملت المطار الذي بات يستقبل رحلات داخلية يومية من مدينة بورتسودان. وتحولت بورتسودان، فيما كانت الحرب تعصف بالخرطوم، إلى عاصمة موقتة انتقلت إليها الحكومة والبعثات الدبلوماسية والمنظمات وأعداد هائلة من النازحين. واليوم تحول مطار بورتسودان الدولي إلى نقطة عبور ينتقل الركاب عبرها إلى الخرطوم عن طريق الرحلات الداخلية. من جانبه يؤكد رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس أن مطار الخرطوم أصبح "جاهزا" للرحلات الدولية. وأفادت احدى العاملات في مطار بورتسودان فرانس برس "كل صباح، ينتقل جميع الركاب القادمون من القاهرة إلى الطائرة الداخلية المتجهة إلى الخرطوم". مقبرة جماعية وحقل ألغام كان الموظف الحكومي طارق عبد الله على متن الطائرة التي أقلعت من بورتسودان إلى الخرطوم التي نزح منها أثناء الحرب. ويقول لفرانس برس وهو يعدل سترته بصوت بدا عليه الترقب "هذه المرة الأولى لي في السودان منذ ثلاث سنوات. سأرى بيتي للمرة الأولى". وأضاف "لكنني ما زلت أشعر بالقلق". لم يقرر عبدالله بعد إن كان سيعود إلى السودان بشكل نهائي، ولكنه قال إنه غير مستعد لنقل حياة أبنائه الثلاثة للمرة الثانية في ثلاثة أعوام، وخصوصا أن العودة إلى الخرطوم تعني العيش في مدينة تنقطع فيها الكهرباء لعشر ساعات يوميا مع بنية تحتية مدمرة. مدى السنوات الثلاث، فرّ من الخرطوم نحو أربعة ملايين شخص (نصف عدد السكان)، عاد منهم أكثر من 1.8 مليون خلال العام الماضي بحسب الأممالمتحدة. ولكن لم يعد إلى وسط المدينة أكثر من 80 ألف شخص، فيما لا تزال الكهرباء والمياه رفاها يصعب الحصول عليه. وبجولة سريعة، يسهل ملاحظة أن وسط المدينة الذي كان يعجّ بالأسواق الصاخبة والشركات والأحياء الراقية، بات مدينة أشباح ومقبرة جماعية وحقل ألغام. وما زالت معظم الأبنية الحكومية والبنوك ومقار الشركات بواجهات مدمرة ونوافذ مهشمة. ورغم خطط الحكومة لإعادة الإعمار، ما زالت شوارع الخرطوم مليئة بالألغام والقذائف التي لم تنفجر، بكميات تفوق سرعة عمل طواقم الإزالة. إرث سام ومع عودتها إلى الخرطوم، تروي نائبة مدير مكتب برنامج الأممالمتحدة للبيئة في السودان منى زين عن برك المياه الراكدة ومياه الصرف الصحي التي أصبحت "أرضا خصبة لتكاثر البعوض الناقل للملاريا". واعتبرت في مقال نشره البرنامج على موقعه أن الحرب خلفت إرثا ساما "يحمل مخاطر المرض والموت لسنوات مقبلة". ولا حصيلة دقيقة لضحايا الحرب ولكن أعلنت السلطات انتشال أكثر من 20 ألف جثة أنحاء العاصمة وإعادة دفنها بعد العثور عليها في مقابر جماعية أو مقابر موقتة اضطرت العائلات لحفرها كيفما اتفق أثناء الحصار. ويخيم الصمت على وسط المدينة الخالي من الحركة إلا من جندي وحيد يجلس تحت شجرة وامرأة كانت تسير تحت الشمس الحارقة. لكن تبدو الحياة أكثر وضوحا على الضفة الأخرى لنهر النيل في أم درمان، أحد أجزاء الخرطوم الكبرى، والتي ظلت أفضل حالا بقليل أثناء الحرب، حيث يمكن رؤية العمال ينظفون الشوارع والمواطنين في انتظار الحافلات العامة. واختار معظم العائدين إلى العاصمة العيش في أم درمان تجنبا لوسط الخرطوم المحفوف بالمخلفات الخطرة. ومن بين العائدين بُثينة، وهي في العقد السابع وترتدي ثوبا تقليديا ملونا. وقالت لفرانس برس فيما حطت الطائرة في الخرطوم "أشعر بالإرهاق. أريد أن أعود لبيتي. أردت أن أعود لبيتي منذ مدة طويلة". وخلف بثينة، عبر نافذة الطائرة، لا يزال يمكن رؤية بقايا طائرات على المدرج سبق ان تعرضت للقصف. مساعدات إنسانية بنحو 5ر1 مليار يورو تعهدت الدول المانحة، خلال مؤتمر دولي عقد في برلين ، بتقديم مساعدات إنسانية للسودان بنحو 5ر1 مليار يورو (7ر1 مليار دولار)، وذلك مع دخول الحرب الأهلية الكارثية في البلاد عامها الرابع. وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في رسالة عبر الفيديو إلى المشاركين في المؤتمر الذي استضافته ألمانيا بالتعاون مع الولاياتالمتحدة والمملكة المتحدةوفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، "يجب أن ينتهي هذا الكابوس". ودعا العديد من المشاركين في المؤتمر، وهو الثالث بشأن السودان بعد اجتماعين سابقين في باريس ولندن، إلى وقف فوري لإطلاق النار لأغراض إنسانية كخطوة أولى نحو عملية سلام أوسع. وقال وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، إن التزامات هذا العام ستساعد في "تخفيف معاناة الشعب السوداني إلى حد ما" وإنقاذ الأرواح، مضيفا أن المانحين يظهرون أيضا "أنهم لم ينسوا هذا الصراع". كما أيد فاديفول دعوة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك لفرض حظر شامل على الأسلحة على السودان. وأشار إلى أن الأممالمتحدة اعتمدت بالفعل مثل هذا الإجراء، لكنه أضاف أن "المشكلة، كما هو الحال مع هذا الصراع بشكل عام، هي كيفية تنفيذه عمليا". وأعلنت ألمانيا عن تقديم مساعدات إضافية تتجاوز 230 مليون يورو، من بينها 212 مليون دولار من وزارة الخارجية و20 مليون يورو من وزارة التنمية، ما يجعلها من بين أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية للسودان. ودعا فاديفول الحكومات والمنظمات والجهات الفاعلة في القطاع الخاص إلى زيادة مساهماتها. ويعاني السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا، من حرب أهلية دامية منذ ثلاث سنوات، مما تسبب في ما تصفها الأممالمتحدة بأكبر أزمة إنسانية في العالم. ويوجد حاليا أكثر من 6ر11 مليون نازح في السودان والدول المجاورة، في حين يواجه أكثر من 19 مليونا الجوع. ووفقا للأمم المتحدة، لم تحصل العمليات الإنسانية في السودان حتى الآن سوى على نحو 16% من التمويل المطلوب هذا العام. وقُتل 40 ألف شخص على الأقل، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. ودعا كل من المبعوث الأممي بيكا هافيستو والمستشار الأميركي مسعد بولس إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار لأغراض إنسانية، وذلك للسماح بإيصال المساعدات وبدء عملية انتقال سياسي. وقال هافيستو إن وقف إطلاق النار سيمكن المنظمات الإنسانية من "إيصال المساعدات إلى الأشخاص، إلى المواطنين العاديين في السودان"، كما سيسهم في وقف استخدام "أسلحة خطيرة للغاية، مثل الطائرات المسيرة". من جانبه، قال بولس إن أي هدنة ينبغي أن تشمل انسحاب القوات المسلحة من مدن مثل الفاشر في شمال دارفور، حيث دارت معارك ضارية ووقعت مجازر، بحسب التقارير. وانتقد المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكو، ما وصفه بالفشل العالمي من قبل القوى الكبرى. وقال سكو "لقد فشلت القوى الدولية في منع اندلاع هذه الحرب المروعة، وفشلت في حماية المدنيين في جميع أنحاء البلاد، ومن بينهم النساء والأطفال"، وذلك في حديثه عن انطباعاته خلال زيارة قام بها مؤخرا إلى إقليم دارفور. وحذر سكو من أن وكالات الإغاثة تفتقر إلى التمويل الكافي، مضيفا: "في الوقت الحالي، لا يستطيع برنامج الأغذية العالمي حتى توفير حصص غذائية كاملة للأشخاص في المناطق المتضررة من المجاعة". تُرك وحيداً قالت مسؤولة الأممالمتحدة في السودان لوكالة فرانس برس إن هذا البلد الذي يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، تُرك وحيدا مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع. وقالت دينيس براون المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في مكتبها بالخرطوم "ينبغي عدم القول إن هذه الأزمة منسية، بل هي متروكة". وأضافت "أشعر بغضب شديد. وسؤالي هو: ما الذي ينتظره العالم ليستفيق ويبذل جهدا حقيقيا كما رأينا في أزمات مروعة أخرى حول العالم؟". وعددت المسؤولة المخضرمة الانتهاكات التي وثّقتها الأممالمتحدة، من عنف جنسي ممنهج، إلى مقتل ستة آلاف شخص خلال ثلاثة أيام حين سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر العام الماضي، إلى مؤشرات على إبادة جماعية رصدها تحقيق أممي، وعمليات حصار تسببت بمجاعة في أنحاء البلاد. وأشارت إلى أنها تُبلَّغ كثيرا بأن الحل يكمن داخل السودان، لكنها شددت على أن "الأسلحة لا تأتي من داخل السودان. هناك ما يغذّي هذا النزاع، وهناك من يستفيد من الموارد". ودعت الأممالمتحدة مرارا قوى خارجية إلى وقف تأجيج الحرب، من دون أن تسمّي دولا بعينها. وقالت براون إن هناك "تدفّقا غير مشروع ومستمرّا للأسلحة"، في انتهاك لحظر تسليح تفرضه الأممالمتحدة على دارفور منذ عقدين. وشهد دارفور، الإقليم الغربي الشاسع الذي تعادل مساحته فرنسا، بعض أسوأ أعمال العنف، مع اقتحام مخيمات النازحين ووقوع مجازر عرقية متكرّرة أودت بآلاف في كل مرة. أطفال يموتون في كردفان ومنذ سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر العام الماضي، انتقل أعنف القتال إلى إقليم كردفان الذي يربط مناطق سيطرة هذه القوات في دارفور بمحور سيطرة الجيش في وسط البلاد. وتؤدي ضربات مسيّرات شبه يومية في كردفان إلى مقتل العشرات في كل مرة، فيما يواجه مئات الآلاف خطر المجاعة في أنحاء الإقليم. وشاركت براون في قافلة إنسانية وصلت إلى مدينة الدلنج في جنوب كردفان بعد فك حصار فرضته قوات الدعم السريع في وقت سابق العام الحالي، غير أن فريقها علق هناك عندما تعرّضت المدينة لهجوم مجددا. وقالت "منذ ذلك الحين، تتعرض الدلنج لهجمات شبه يومية، فيما يواصل السكان المغادرة تباعا مع سقوط مزيد من القتلى". ويتجه كثير من الفارين إلى الأبيّض، حيث لجأ عشرات الآلاف. وأضافت أن الأممالمتحدة تتلقى الآن "تقارير عن أعداد كبيرة من الأطفال الذين يموتون يوميا" في الأبيّض، التي تعتزم التوجّه إليها هذا الأسبوع. وأكدت أن السودان يواجه ما هو أكثر من أزمة إنسانية، إذ إن 33 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات، وقد شهدت البلاد "محوا متعمّدا لأي إمكان للوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية والحقوق الإنسانية". واعتبرت أن الجزء الأصعب هو "إيجاد مسار نحو السلام". ورغم ترحيبها بالتبرعات "السخية جدا" التي تعهّد بها مؤتمر للمانحين في برلين الأربعاء، والبالغة 1,5 مليار يورو، أشارت إلى أن خطة الاستجابة للأمم المتحدة في السودان لم تُموَّل هذا العام سوى بنسبة 16 في المئة، مؤكدة أن ذلك غير كاف لوقف الحرب. وختمت براون بالقول إن "الجمود حيال هذا الأمر يبعث على الحيرة". مطار الخرطوم (رويترز)