في أمسية استضافتها جمعية الترجمة في الرياض بعنوان «الشعر العربي الجاهلي والثقافة الفرنسية»، بدا الشعر الجاهلي حاضرًا لا بوصفه أثرًا من الماضي فحسب، بل نصًا واصل عبوره إلى ثقافات أخرى، ووجد في الترجمة بابًا لحياة جديدة، انتقل عبرها من فضائه العربي الأول إلى الوعي الأوروبي، حيث خضع للشرح والتحقيق والتأويل. وتحدث في اللقاء أستاذ الدراسات العربية والمستعرب الفرنسي أ.د. بيير لارشيه، وأداره د. حمد بن إبراهيم الطريف، عضو هيئة التدريس المتخصص في تعليم الترجمة والمترجم من الفرنسية إلى العربية، في أمسية اتخذت من الترجمة مدخلًا إلى فهم واحد من أعمق وجوه التفاعل بين التراث العربي والثقافة الفرنسية. واستعرضت الأمسية مسار العناية الفرنسية بالشعر العربي الجاهلي، منذ البدايات المبكرة للاهتمام الاستشراقي بالنصوص العربية، مرورًا بجهود ترجمة المعلقات وتحقيقها، وما صاحب ذلك من أعمال علمية أسهمت في نقل هذا الإرث الشعري إلى القارئ الغربي. كما توقفت عند عدد من الأسماء التي اشتغلت على النص العربي القديم شرحًا وتحقيقًا وترجمة، بما أبرز عمق الصلة التي نشأت بين الاستشراق الفرنسي والمدونة الشعرية العربية. ولم يقف الحديث عند حدود الترجمة بوصفها نقلًا لغويًا، بل اتسع إلى النظر إليها باعتبارها فعلًا ثقافيًا يعيد إنتاج النص في وعي جديد. ففي الشعر الجاهلي لا تعبر الألفاظ وحدها، بل تعبر معها صورة الصحراء، وأخيلة الرحلة، وبنية القصيدة، وميراث الفروسية، وذاكرة الشفاهة العربية، وهي عناصر وجدت في الفرنسية قارئًا جديدًا ومفسرًا آخر. ويعد بيير لارشيه من أبرز المستعربين الفرنسيين الذين كرسوا جهدًا علميًا للعربية والشعر الجاهلي، وارتبط اسمه بعدد من الدراسات والأعمال، من بينها كتابه «الصعلوك والعاشق». وفي ختام اللقاء فتح باب المداخلات والأسئلة، في مشهد أكد أن القصيدة الجاهلية ما تزال قادرة على استدعاء الأسئلة، وأن النص العربي القديم يواصل رحلته في الثقافات الحية كلما وجد قارئًا جديدًا.