في عصر تتسارع فيه منصات التواصل الاجتماعي وتتصاعد فيه موجات "الترند" بشكل يومي، لم يعد الأطفال والمراهقون مجرد متابعين، بل أصبحوا جزءًا من هذه الديناميكية الرقمية المتغيرة. فالترند لم يعد مجرد محتوى عابر، بل تحول إلى قوة مؤثرة في تشكيل السلوك والاتجاهات، بل وحتى الهوية. ينجذب الأطفال والمراهقون بطبيعتهم إلى كل ما هو جديد وسريع الانتشار، إذ تلبي الترندات حاجتهم للانتماء والشعور بالمشاركة المجتمعية. كما أن طبيعة هذه الفئة العمرية، التي تتسم بحب الاستكشاف والتجربة، تجعلهم أكثر عرضة لتقليد ما يشاهدونه دون تمحيص أو تقييم عميق. وهنا تكمن خطورة التأثير غير المباشر، حيث يتحول التقليد إلى سلوك يومي، وقد يمتد ليشكل قناعات طويلة المدى. لا يمكن إنكار أن بعض الترندات تحمل جوانب إيجابية، مثل نشر الوعي، أو تعزيز المهارات الإبداعية، أو حتى دعم القيم الاجتماعية. إلا أن الإشكالية تظهر عندما تتضمن هذه الترندات محتوى غير مناسب، أو سلوكيات خطرة، أو رسائل تتعارض مع القيم الأسرية والمجتمعية. فالمراهق قد يندفع لتجربة "تحدٍ" معين فقط من أجل القبول الاجتماعي أو زيادة التفاعل، دون إدراك للعواقب. تأثير الترندات لا يتوقف عند السلوك الظاهر، بل يمتد إلى الجانب النفسي؛ حيث قد يشعر الطفل أو المراهق بالضغط لمواكبة ما هو رائج، مما يولد لديه قلقًا أو شعورًا بالنقص إذا لم يتمكن من مجاراة الآخرين. كما قد تسهم هذه البيئة في خلق معايير غير واقعية للجمال أو النجاح أو الحياة المثالية. من هنا، تبرز أهمية دور الأسرة والمؤسسات التربوية في بناء ما يمكن تسميته "المناعة الرقمية". فبدلًا من المنع المطلق، يصبح التوجيه الواعي هو الخيار الأكثر فاعلية. الحوار المفتوح، وتعزيز التفكير النقدي، وتنمية مهارات التمييز بين المحتوى المفيد والضار، كلها أدوات تساعد الأبناء على التعامل مع الترندات بوعي ومسؤولية. في النهاية، لن تتوقف الترندات، ولن يمكن عزل الأبناء عنها، لكن يمكننا أن نُعدّهم ليكونوا مستخدمين واعين، لا متلقين سلبيين. فالتحدي الحقيقي ليس في وجود الترند، بل في كيفية التعامل معه، وتحويله من عامل تأثير إلى فرصة للنمو والوعي. * مستشارة تربوية بشؤون الأسرة والطفل وكبار السن