هل حقًا لم تعد العقول تُشكّل قناعاتها بنفسها، بل أصبحت أسيرة للمحتويات الرائجة التي تُعدّ وتُوزّع وتصنع الرأي؟ ما كان في الماضي ناتجًا عن تفكّر أو دراسة أصبح اليوم متأثرًا بموجة جماعية تتنقّل بين الترندات والحملات، ثم تُنسَج داخل العقل كما لو كانت ثمرة اقتناعٍ شخصي. إن صحَّ هذا، فنحن أمام تحوّل خطير في طريقة اتخاذ القرار، حيث أصبحت "سياسة القطيع" منهجًا يُسيّر العقول ويعيد تشكيل الوعي. وبحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، تُعد "المعلومات المضلّلة" من أبرز المخاطر قصيرة الأمد، وتُصنّف ضمن أخطر التهديدات التي تُضعف الثقة في الحكم والمجتمع. وفي السعودية، أظهرت دراسة أجراها مركز PMC عام 2021 أن 78.6 % من المشاركين لم يُبلّغوا عن المعلومات المضلّلة التي واجهوها على الشبكات، رغم إدراكهم لوجودها، مؤكدةً أن الوعي بالتضليل لا يعني بالضرورة التعامل معه بحذر، بل إن بعضهم يشارك تلك المعلومات رغم معرفته بعدم صحتها، هذا التحوّل في نمط التفاعل يعكس انتقال السؤال من "هل أصدّق المحتوى؟" إلى "هل أشارك المحتوى؟". وعلى المستوى الإقليمي، تشير مجلة اليونسكو إلى أن 79 % من الشباب العرب في عام 2020 يحصلون على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن كانت النسبة لا تتجاوز 25 % فقط في عام 2015، ما يعكس تحوّلًا كبيرًا نحو الاستهلاك الاجتماعي والمشاركة بدل التحقق والمراجعة. بينما أظهرت دراسة صادرة عن جامعة هارفارد أن التعرّض للمنشورات التي تحظى بتفاعلٍ كبير يزيد من احتمالية إعادة نشرها حتى وإن كانت منخفضة المصداقية، بسبب تأثير خوارزميات (Engagement) التي تُعزّز المحتوى الانفعالي أكثر من المحتوى الدقيق. وهنا يبرز التساؤل: هل سلب هذا التحوّل المجتمعَ حقَّه في التفكير والتحليل؟ وهل جعل من المشاركة وركوب موجات الترند أسرع من التحقّق والفهم؟ وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر الإعجابات والمشاركات في التفاعل مع المحتوى دون وعيٍ أو تحقق؟ من الطبيعي أن ينجذب الإنسان إلى المحتويات الرائجة ويطّلع على مستويات التفاعل، لكن الخطورة تكمن في أن انتشار المحتوى يمنحه أحيانًا مصداقيةً زائفة، تُضعف ملكة النقد والتمحيص. وقد أثبتت دراسة سعودية في المجال الصحي أن الأفراد الذين يتفاعلون بكثرة عبر وسائل التواصل لديهم معدّل أعلى لتصديق المعلومات الخاطئة مقارنةً بمن يستخدمونها بشكل أقل، ما يؤكد أن التفاعل المفرط يرتبط بانخفاض الوعي النقدي. ومن أبرز مظاهر قياس الرأي اليوم "الترند" والوسم (#)، إذ أصبح الانضمام إلى القطار الرقمي جزءًا من السلوك الجمعي، لأن الإنسان بطبعه لا يحب أن يكون خارج السرب. وساهم هذا السلوك في تغلغل ثقافة القطيع فينا، ليس فقط في رأيٍ واحد، بل في حركة جماعية تُولَد وتُروّج وتُدار غالبًا عبر خوارزميات أو حسابات مبرمجة تهدف إلى تضخيم المحتوى الانفعالي والاستفزازي أكثر من المحتوى الدقيق. وتشير دراسات إلى أن البوتات والحسابات الوهمية تلعب دورًا محوريًا في تضخيم المشاركة، ما يجعل الانتشار يبدو طبيعيًا ويحفّز الآخرين على الانضمام دون وعي. الخطورة أن يتحوّل الإنسان إلى تابع تلقائي أكثر منه فاعلًا واعيًا، وأن تُصبح الترندات معيارًا للقرار بدلاً من البحث والتحليل، باعتبار أن عدد الإعجابات والمشاركات هو المقياس. وهذا يعني أن التأثير الجماعي لم يعد مجرد ظاهرة سطحية، بل أصبح جزءًا من بنية اتخاذ القرار الاجتماعي والثقافي. ومع ذلك، لا ينبغي أن نجلد ذواتنا؛ فهذه الظاهرة أصبحت نمطًا عالميًا متكرّرًا. غير أن الوعي بها هو الخطوة الأولى نحو معالجتها. فالقوة الحقيقية في الساحة الرقمية لم تعد في المحتوى وحده، بل في قدرة الأفراد على المشاركة الواعية والترويج المسؤول. ومن دون هذا الوعي، يمكن أن يتحوّل الانقياد إلى سلوك تلقائي يقتل التفكير الحرّ ويُضعف استقلال القرار. ختامًا؛ تبقى المسؤولية مشتركة بين المؤسسات والأفراد؛ على الجهات أن تُعيد للقرار الفردي مكانته من خلال التثقيف وتعزيز الوعي، وعلى الأفراد أن يتحمّلوا مسؤوليتهم بالبحث والتحقق قبل التفاعل والمشاركة، فلتعد العقول تفكّر قبل أن تشارك، وتتحقق قبل أن تتفاعل.