تقومُ الثقافاتُ العريقةُ على قواعدَ متينةٍ، تربطُ تاريخَها بفكرِها، وواقعَها بحضارتِها، فيغدو التأسيس فيها فعلًا واعيًا، لا مجرّد بداية زمنية. ومن هذا التصور، يُقرأ شعار يوم التأسيس السعودي بوصفه نصًّا بصريًّا مكتمل البنية، لا مجموعة رموز متجاورة، إذ يحمل في تشكيله خطابًا دلاليًا يوازي الخطاب اللغوي في قدرته على الإيحاء والتكثيف. فالشعار يبني معنى عبر عناصر منتقاة، تعمل كما تعمل مفردات الجملة العربية؛ كل عنصر يؤدي وظيفة محددة، ولا يستقيم المعنى إلا بانتظامها في نسق واحد. وبالنظر إلى مفهوم التأسيس نجد أنه مفهوم لغوي قبل أن يكون تاريخيًّا، فالجذر (أَسَسَ) يفيد في العربية معنى الإقامة على قاع ثابت، وهو معنى يتقدّم الرسوخ فيه على الظهور. فالتأسيس، في جوهره اللغوي، عناية بما يُمكَّن قبل أن يُعلن، وبما يُثبَّت قبل أن يُشاد. وهذا البعد هو ما يستحضره الشعار، إذ يعيد تمثيل لحظة التأسيس بوصفها منظومة قيم، لا واقعة منقطعة. وإذا ما انتقلنا إلى الرموز بوصفها وحدات دلالية يضع الشعار الإنسان في مركز التكوين، باعتباره محور الفعل ومصدر العمران، لا تابعًا للحدث. ويأتي العَلَم علامة على العهد والهوية، مرتبطًا في الوعي العربي بالالتزام والاستمرار. وتحضر النخلة رمزًا للحياة المتجذّرة، التي تقوم على الصبر والعمق. أما الصقر، فيحيل إلى الرفعة المقترنة بالبصيرة، لا بالقوة المجردة، بينما تعبّر الخيل عن الحركة المؤسَّسة على القيم، حيث الفعل مقرون بالكرامة والانضباط. هذه الرموز، في اجتماعها، لا تعمل على مستوى التمثيل وحده، بل تُنتج معنى مركّبًا لفكرة الدولة في نشأتها الأولى. ومن الرؤية إلى النص كما تبني العربية معناها على الاشتقاق والربط، يبني الشعار دلالته على التفاعل بين عناصره. فلا يُقرأ رمز بمعزل عن غيره، ولا يُفهم عنصر خارج سياقه العام. وبهذا يتحول الشعار إلى نص بصري يُستقبل بالتأمل، ويُفكّك بالقراءة، ويُعاد إنتاج معناه في الوعي الجمعي. وبناء على ما سبق، يقدّم شعار يوم التأسيس تصورًا حضاريًّا للتاريخ، يرى في التأسيس معنى مستمرًا، وروحًا متألقة. فهو نص بصري يؤكد أن ما أُقيم على الجذور، ظلّ قادرًا على الامتداد، وأن الهوية التي صيغت على المعنى، تبقى أقدر على البقاء والتجدد.