تبدأ حكاية السياسة الوطنية للغة العربية من جذورٍ ضاربة في عمق الهوية، حيث اعتزت بلاد الحرمين بلغة القرآن الكريم كركيزة أساسية لوجودها وكيانها منذ عهد التأسيس. ويتجلى هذا الاعتزاز في أبهى صوره عبر مواقف القيادة الرشيدة -أيدها الله- التي جعلت من اللغة العربية منصةً للفخر والقوة؛ فالعالم لا ينسى وقوف خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين في أكبر المحافل الدولية، وهما يخاطبان ملوك ورؤساء العالم بلسان عربي مبين، معتزَّين بهويتهما، وفارِضَين احترام اللغة العربية كأداة للدبلوماسية العالمية الرفيعة، إن هذا النهج القيادي الذي يأنف التحدث بغير العربية في اللقاءات الرسمية الكبرى، هو رسالة بأن لغتنا هي عنوان سيادتنا، وأن الاعتزاز باللسان الأم هو أولى خطوات الريادة العالمية، ولم تكن عروبة المملكة يوماً مجرد شعار عاطفي، بل كانت فعلاً دولياً مؤثراً أعاد رسم الخارطة الثقافية للعالم المعاصر. ويذكر التاريخ بمداد من فخر أن المملكة كانت "العنصر الفاعل" والمحرك الأساسي خلف كواليس الأممالمتحدة لإقرار اللغة العربية لغة رسمية سادسة في المنظمة الدولية عام 1973. لقد خاضت الدبلوماسية السعودية معركة ثقافية وقانونية وإجرائية شاقة، لإقناع المجتمع الدولي بأن لغة يتحدث بها مئات الملايين، وتُكتب بها أعظم الحضارات الإنسانية، لا يمكن تهميشها في أروقة صنع القرار العالمي، هذا الحراك الذي قادته الرياض كان إعلاناً سيادياً بأن لغة الضاد تمتلك من المرونة والاشتقاق والعمق ما يجعلها لغة للعلم والسياسة والقانون الدولي. واليوم، يأتي إطلاق "السياسة الوطنية للغة العربية" كاستكمال لهذا الإرث التاريخي، وتحويله من حضور "تمثيلي" في الخارج إلى "تمكين مؤسسي" شامل في الداخل، يضمن بقاء العربية لغةً حية في قلب القطاعات الحكومية والخاصة، ومحركاً رئيساً للتنمية في ظل رؤية 2030. لغة القرآن.. الهوية لا تقبل التجزئة تستمد السياسة الوطنية للغة العربية قوتها من «عروبة المملكة» الخالصة؛ فهي الأرض التي نطق حجرها وشجرها بأفصح البيان قبل آلاف السنين، وهي الدولة التي جعلت من لغة الوحي أساساً لتشريعاتها ودستورها وأنظمتها التعليمية والقضائية، إن الاعتزاز بلغة القرآن في المملكة يتجاوز الأطر الأكاديمية، ليصبح «بيعةً ثقافية» تتجدد في كل مشروع وطني يولد على أرضها. في ظل رؤية المملكة 2030، أصبح تعزيز الهوية الوطنية وحمايتها من «الذوبان الثقافي» هدفاً استراتيجياً من الدرجة الأولى. ومن هنا، جاء تأسيس «مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية» ليكون المظلة السيادية التي تحمي هذا الإرث وتطوره ليواكب العصر. تؤكد المملكة للعالم أن الحداثة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، لا تقتضي بالضرورة «التغريب» أو التخلي عن اللسان الأم، بل تعني تطويع اللغة العربية لتستوعب علوم العصر وتقنيات المستقبل، هذا المحور يرسخ فكرة أن «قوة الدولة من قوة لغتها»، وأن السيادة الوطنية لا تكتمل إلا حينما يتحدث الاقتصاد والطب والتقنية بلسان عربي واضح، قادر على صياغة أدق التفاصيل العلمية بوضوح لا يقبل اللبس. "اقتصاد اللغة العربية".. المحرك الجديد للتنمية هنا نصل إلى المفهوم الأكثر دهشة وعبقرية في هذا الملف اللغة كوعاء للأدب فقط، بل كقطاع اقتصادي منتج ومؤثر، فالاعتماد على اللغة العربية في المملكة يفتح آفاقاً اقتصادية هائلة تشمل صناعة المحتوى، والترجمة التخصصية، وتعريب البرمجيات، والنشر الرقمي، إن «اقتصاد اللغة» يعني تحويل المفردة إلى قيمة مضافة؛ فعندما نلزم الشركات بالتعريب، نحن نخلق آلاف الوظائف للمترجمين، والمدققين، وكتاب المحتوى الإبداعي، ومطوري واجهات الاستخدام بالعربية، كما أن هذا الاقتصاد يسهم في تقليل «التبعية التقنية»؛ فبدلاً من استيراد حلول جاهزة بلغات أجنبية، يحفز هذا التوجه الشركات المحلية والدولية على الاستثمار في بناء «أصول معرفية» عربية الأصل، ما يزيد من كفاءة الإنفاق الداخلي ويعزز من الناتج المحلي الثقافي، إن اللغة العربية في «رؤية 2030» هي وقود لصناعات إبداعية وتقنية كبرى، تجعل من الرياض عاصمة عالمية ل «صناعة المعرفة العربية. ميثاق البيان لا يمكن قراءة السياسة الوطنية للغة العربية بمعزل عن مفهوم «الأمن المعرفي» للمواطن والمقيم على حد سواء؛ ففي قلب الصفقات المليارية، وخلف غلاف كل منتجٍ تقني أو طبي، يكمن حقٌّ أصيل كفلته هذه السياسة وهو: حق الفهم الكامل دون وسيط. لسنوات طويلة، ظل المستهلك يواجه «ترسانة» من النصوص الأجنبية المعقدة، والضمانات التي كُتبت بلغاتٍ لا تلامس وعيه الفطري، مما جعل العلاقة بين الشركات والمستهلك علاقة «إذعان» لا علاقة «تعاقد» حقيقي مبني على الوعي. واليوم، تأتي السياسة الوطنية لتعلن انتهاء عصر «الغموض اللغوي»، فارضةً اللغة العربية كشرطٍ لا يقبل التفاوض لصحة وموثوقية أي معلومة جوهرية، إن إلزام الشركات بتقديم الشروط، والضمانات، والتحذيرات، والمواصفات باللغة العربية هو في حقيقته «استردادٌ لسيادة العقل»، فعندما يقرأ الأب تحذيراً طبياً على زجاجة دواء، أو يتفحص شابٌّ مواصفات محرك سيارته، أو يوقع مستثمرٌ شروط عقد تمويلي بلغة الضاد، فإنه يمارس حقه الشرعي والنظامي في «الشفافية المطلقة». العربية هنا ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل هي «حارسٌ قضائي» يمنع الشركات من التواري خلف مصطلحات تقنية أجنبية، قد تخفي في طياتها بنوداً مجحفة أو مخاطر غير معلنة، إن «البيان العربي» بما يمتلكه من دقة في التعبير وفصاحة في التوصيف، يغلق الأبواب تماماً أمام التأويلات الخاطئة، ويحول «كتيب التعليمات» من مجرد ورقٍ مهمل إلى «وثيقة أمان» تضمن سلامة الأجساد وصيانة الأموال، وترسخ مفهوم العدالة اللغوية في سوقٍ لا يعترف إلا بالوضوح. حماية الأرواح بالبيان لا بد من تسليط الضوء على انعكاس هذه السياسة على المنظومة الصحية، إن إلزامية اللغة العربية في «النشرات الدوائية» كمثال و»تقارير الحالة» و»نماذج الموافقة على العمليات» هي مسألة حياة أو موت، إن «السياسة الوطنية للغة العربية» تفرض ترجمة دقيقة وحضوراً قوياً للمصطلح العربي في المستشفيات والمراكز الطبية، عندما يفهم المريض «التحذيرات» و»طريقة الاستخدام» بلغة يفهمها بالفطرة، تقل نسبة الأخطاء الدوائية الناتجة عن سوء الفهم بنسب كبيرة، كما أن تعريب «نماذج الموافقة الطبية» يضمن أن المريض أو ذويه على دراية كاملة بكافة التبعات والنتائج، ما يعزز من أخلاقيات الممارسة الطبية، وتمكين العربية في القطاع الصحي يزيل «الحاجز اللغوي» بين الطبيب والمريض، ويجعل الرعاية الصحية أكثر إنسانية وفاعلية، ويحول المصطلحات الطبية المعقدة إلى كبسولات معرفية واضحة تزيد من وعي المجتمع الصحي. حين تصبح الإنجليزية عائقاً أمام ابن الأرض في مفارقة اجتماعية ومهنية مؤلمة، شهدت العقود الأخيرة تمدداً لافتاً للغة الإنجليزية داخل أروقة الشركات والمؤسسات الخاصة، حتى تحولت من «مهارة إضافية» إلى «صنمٍ وظيفي» يُعبد من دون الكفاءة، لقد تسللت «عقدة الخواجة» إلى صلب ممارسات الموارد البشرية، فأصبحت المقابلات الشخصية تُدار بلغة أجنبية لاختبار «نطق الحروف» قبل اختبار «عمق العقول»، وباتت الترقيات والامتيازات تُمنح لمن يتقن «رطانة» المصطلحات الغربية، بينما يُهمش صاحب البيان العربي الرصين وكأنه غريب في داره. هذا التغريب الممنهج داخل سوق العمل أدى إلى ظاهرة «جيل الاغتراب اللغوي»، فقد رصدت التقارير الاجتماعية نشوء فئة من الشباب السعودي الذين باتوا يتباهون بعدم إتقانهم للعربية قراءةً وكتابة، مستبدلين جزالة «الضاد» بلغة هجينة تفتقر للجذور والروح. وتأتي السياسة الوطنية للغة العربية لتقول: كفى لهذا الهدر الثقافي، ولتصبح اللغة العربية معياراً للتوظيف والترقي، مع ضمان ألا يحرم مبدع من حقه في قيادة المؤسسات والشركات، لمجرد أنه يأبى أن يسلخ لسانه من جذوره الأصيلة. الرقابة والامتثال.. "الأمن اللغوي" مسؤولية وطنية لا يمكن لأي سياسة أن تنجح دون «أدوات رقابية»، لذا، تضع السياسة الوطنية آليات واضحة لمراقبة الفضاء العام؛ من لوحات المحلات التجارية التي كانت تمارس «الرطانة» اللغوية بتعريب حرفي مشوه، إلى المواقع الإلكترونية والتطبيقات الذكية التي تتجاهل المحتوى العربي، إن المملكة اليوم تنظر إلى الخطأ اللغوي الفادح في اللوحات الإرشادية كنوع من «التشويه البصري والثقافي». وتبرز هنا أهمية الشراكة الاستراتيجية بين وزارات الثقافة، التجارة، والبلديات، لسنّ أنظمة مخالفات واضحة ضد كل من يتجاهل استخدام العربية أو يستخدم ترجمات آلية ركيكة، إن «الأمن اللغوي» هو جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني الشامل؛ فحماية الفضاء البصري هو حماية لعقول الأجيال القادمة من الاستلاب الثقافي. اللغة العربية والتحول الرقمي "المستقبل الذكي" في هذا المحور المتجدد، تبرز المملكة كقائدة للثورة الرقمية باللغة العربية، السياسة الوطنية لا تهدف للعودة للماضي، بل تهدف ل «رقمنة المستقبل» بالعربية، فالمملكة اليوم تقود مبادرات عالمية لتعزيز المحتوى العربي على الإنترنت، ودعم الأبحاث في مجال معالجة اللغات الطبيعية، ولم تعد العربية لغة التاريخ فقط، بل هي لغة الخوارزميات، من خلال السياسة الوطنية، يتم إلزام وتشجيع الشركات التقنية على تطوير برمجيات وذكاء اصطناعي «يفكر» و»يفهم» بالعربية وسياقاتها الثقافية، وهذا يضمن ألا نكون مجرد «مستهلكين» سلبيين للتقنية الغربية، بل «منتجين» لتقنية تتحدث بلساننا، وتفهم قيمنا، وتحافظ على خصوصية بياناتنا بلغة الضاد. "الضاد" كقوة ناعمة في المحافل العالمية المملكة، بصفتها مرجعية مهمة لمهبط الوحي ولغة القرآن، تدرك أن لغتها هي أقوى أدوات «القوة الناعمة» التي تمتلكها، من خلال إلزام الشركاء الدوليين والشركات العابرة للقارات بالتعامل باللغة العربية داخل المملكة، ونحن نفرض ثقافة الاحترام المتبادل ونجبر العقل الاستثماري العالمي على «التحدث بلغتنا» لفهم سوقنا، إن هذا التوجه يحول اللغة العربية من لغة «نخبوية» في المنظمات الدولية إلى لغة «مصالح حيوية» في موازين القوى الاقتصادية، ما يعزز من مكانة المملكة كقطب ثقافي لا يمكن تجاوزه، ويجعل من «البيان العربي» جسراً دبلوماسياً يربط الشرق بالغرب تحت شروطنا الثقافية والسيادية. استعادة "الثقة اللسانية" للأجيال لا تقتصر مكتسبات هذه السياسة على الأرقام الصماء أو الأنظمة الجافة، بل تمتد لتحدث ثورة في «السكينة النفسية» للأجيال الصاعدة. إن «الاغتراب اللغوي» الذي عانى منه الشباب في بيئات العمل والتعليم لسنوات طويلة، قد خلق نوعاً من «الارتباك الهوياتي» والمهني؛ حيث بات المبدع يشعر بالنقص، وتتزعزع ثقته في قدراته إذا لم يسعفه لسانه بطلاقة لغة أجنبية معينة. تأتي السياسة الوطنية للغة العربية لتعيد «الثقة اللسانية» للطفل في مدرسته، والطالب في جامعته، والموظف في مكتبه؛ فحين يرى الإنسان لغته الأم هي لغة «الرقمنة»، ولغة «علوم الفضاء»، ولغة «القيادة الإدارية»، فإنه يتحرر تلقائياً من عقدة التبعية النفسية للآخر، هذا الاستقرار النفسي العميق يؤدي بالضرورة إلى إبداع حقيقي وغير متكلف؛ فالإنسان يكون أكثر قدرة على الابتكار، والتحليل، والتفكير النقدي عندما يستخدم لغته الأم التي نطق بها أول مرة، والتي تشكلت بها خلاياه الذهنية ومفاهيمه الأولى عن العالم، إننا بهذا التوجه نبني جيلاً يتصالح مع ذاته ومع تاريخه، جيل يدرك يقيناً أن «الفصاحة» هي أقصر طريق للريادة العالمية، وأن لغته ليست قيداً يعيق عن التطور، بل هي الجناح الذي سيحلق به في آفاق المستقبل بكل فخر واعتزاز. الاستثمار في المحتوى في إطار مفهوم «اقتصاد اللغة العربية» الذي نتبناه، يبرز «الاستثمار في المحتوى» كواحد من أكثر القطاعات حيوية وربحية في المستقبل القريب، إن إلزامية التعريب في القطاعات التقنية والخاصة لن تكتفي بحماية اللغة، بل ستخلق طلباً هائلاً ومنتظماً على «صناعة المحتوى الرصين»، فنحن هنا لا نتحدث عن مجرد ترجمة حرفية جافة للمصطلحات، بل نتحدث عن عملية «توطين المعرفة»؛ وهي صياغة العلوم الحديثة والتقنيات المعقدة بروح عربية وسياق سعودي أصيل، هذا التحول الاستراتيجي يفتح الباب على مصراعيه أمام الشركات الناشئة، وخاصة في مجالات تقنيات التعليم، و»مصانع المحتوى» الرقمي «لتكون هي المحرك الجديد للاستثمار الجريء، فالحرف العربي اليوم هو بمثابة «الذهب الأبيض» في عصر البيانات والذكاء الاصطناعي، والسياسة الوطنية هي المنجم الحقيقي الذي سيمد العالم بمحتوى رقمي عربي عالي الجودة والاحترافية، فهذا المسار كفيل برفع حصة العرب في الشبكة العنكبوتية، ونقلنا من مجرد «مستهلكين» سلبيين للبيانات، إلى «صناع» حقيقيين للمعرفة الرقمية العالمية، ننافس بلغة الضاد في سوق الأفكار والابتكارات الدولية. لغة المستقبل في وطن الطموح إن السياسة الوطنية للغة العربية هي وثيقة عهد بين القيادة والشعب، ورسالة طموح من وطنٍ يصافح السحاب بيد التطور، ويتمسك بجذوره العربية العظيمة باليد الأخرى، وتبرهن المملكة اليوم للعالم أجمع أن العربية قادرة على قيادة المنظومات المعقدة من علوم الفضاء إلى أدق تفاصيل الطب والقانون، بكفاءة تتفوق بها على لغات عالمية أخرى، ظن البعض يوماً أنها وحيدة الساحة، إننا نعيش حقاً مرحلة «النهضة اللغوية الكبرى»، التي يصبح فيها التحدث بالعربية فخراً مهنياً، والتزاماً نظامياً، وواجباً وطنياً مقدساً، ستبقى لغة الضاد منارةً تشع بالبيان والشفافية من قلب الجزيرة العربية إلى كل قارات العالم؛ حارسةً للحقوق، وناطقةً بالعدل، ومجسدةً لمفهوم «اقتصاد اللغة» الذي يضمن عظمة الإنسان السعودي؛ هذا الإنسان الذي أدرك يقيناً أن لغته هي أثمن ما يملك، وأنها الجسر الآمن والأصيل الذي سيعبر به نحو مستقبل مشرق، متسلحاً بأصالة الماضي وآفاق المستقبل. جهود دولية للمملكة في خدمة اللغة العربية التقينات الحديثة تتيح الترجمة للغة العربية لكل مسلمي العالم