حين يمدّ الخزامى ذراعه البنفسجية من هضاب نجد، وتأتيه أنفاس الياسمين من شرفات دمشق، لا يكون اللقاء عابرًا، وإنما موعدٌ للذاكرة العربية، كي تستعيد نغمتها الأولى، هكذا بدا إعلان استضافة الجمهورية العربية السورية ضيفَ شرفٍ في معرض الرياض الدولي للكتاب 2026، وكأنه رسالة محبّة مكتوبة بحبر الثقافة، وممهورة بختم المستقبل. الخبر تجاوز كونه بندًا في روزنامة الفعاليات، ليصبح قصيدة تُقرأ في الساحات العامة، ففي إعلان ارتسمت خارطة طريقٍ ثقافية، تُعيد الاعتبار للحوار الخلّاق بين الشعوب، وتُجدد الوعد بتبادل المعرفة والخبرات، وتُرسّخ دور المملكة الفاعل عربيًا ودوليًا، في انسجامٍ مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. الخزامى هنا ليس نباتًا فحسب؛ إنه رمزٌ لبراري الانفتاح التي تُنبت الكتب كما تُنبت الأمل، والياسمين ليس زينة نوافذ؛ إنه تاريخ من الحكايات، ودفاتر شعرٍ، ومكتبات حجريّة تحفظ أصوات المدن، وحين يتصافحان، تتكوّن مساحة تفاعلية واسعة: جمهورٌ سعوديّ يكتشف دفءَ الحبر السوري، ومثقفون سوريون يشاركون نظراءهم السعوديين منجزاتهم الفكرية والإبداعية، وقرّاء من كل الجهات يلتقون على مائدة واحدة اسمها «الكتاب». في أروقة المعرض، ستتجاور المخطوطات القديمة مع الإصدارات الحديثة، وتتعانق القراءات الشعرية مع الندوات الفكرية، وتُضاء المسارح الصغيرة بنقاشاتٍ عن الترجمة، والسرد، وصناعة النشر، وستُفتح نوافذ على مدنٍ سوريةٍ عريقة، من حلب التي عرفت التجارة والثقافة، إلى دمشق التي علّمت الياسمين كيف يكتب، مرورًا بحمص وحماة واللاذقية، حيث تتبدّل اللهجات وتبقى اللغة أمًّا جامعة، وفي المقابل، ستعرض الرياض سرديتها الخالدة: مدينةٌ تُراكم الخبرة، وتحتفي بالمواهب، وتُحسن الإصغاء لقصص الآخرين. لا شك أنّ اختيار سورية ضيف شرف ليس مجاملة بروتوكولية، إنما اعتراف بعمق ثقافي وتنوّع ثري، وبقدرة الأدب على تضميد المسافات، هو أيضًا تأكيد على أن الكتاب ما يزال جسرًا، وأن المعارض ليست أسواقًا للورق فقط، فهي مختبرات للأفكار أيضًا.. من هنا، تأتي الدورة المقبلة برؤيةٍ تسعى لتعزيز مكانة المعرض بوصفه الأكبر في المنطقة من حيث عدد الزوّار، وحجم المبيعات، وتنوّع البرامج الثقافية؛ رؤيةٌ ترى في كل جناح فرصةً للحوار، وفي كل توقيع كتاب مصافحة جديدة بين قارئ ومؤلف. سيقول البعض إن السياسة تمرّ من هنا، وإن الجغرافيا تتداخل مع الثقافة، لكن الحقيقة الأعمق أن القصائد لا تحتاج إلى تأشيرة، وأن الروايات تعبر الحدود بلا جواز سفر، فحين يجلس طفلٌ سعودي ليقرأ حكاية شامية، أو تلتقط شاعرة سورية صورة لغروب الرياض لتكتب عنه، نكون قد ربحنا لحظة إنسانية خالصة. في أكتوبر، ستُفتح أبواب المعرض، وستدخل معه رائحة الورق الطازج، وسيمشي الزائرون على بساطٍ من الصفحات، هناك، بين رفوف الكتب، سيكتشف الجميع أن الثقافة حين تُدار بمحبة، تصبح وطنًا مؤقتًا للجميع، وأن اللقاء السعودي السوري في فضاء المعرفة ليس محطة عابرة، بل فصلٌ جديد من كتابٍ عربيٍّ طويل، عنوانه الدائم: التلاقي.