يؤدي دورًا محورياً في التوازن الطبيعي يحتفل العالم باليوم العالمي للنمر العربي 10 فبراير من كل عام، وهو مبادرة سعودية اعتمدتها الأممالمتحدة في 2023 لرفع الوعي بحماية هذا النوع المهدد بالانقراض بشدة، ويهدف اليوم إلى تعزيز الجهود الإقليمية والدولية لإعادة تأهيل موائله، وزيادة أعداده، والحفاظ على التنوع البيولوجي في شبه الجزيرة العربية، وهذه المبادرة أطلقتها الهيئة الملكية لمحافظة العلا، وتبنتها رسمياً الجمعية العامة للأمم المتحدة لاحقاً كيوم عالمي لرفع الوعي بمحنة النمر العربي الذي يُعد من أندر الحيوانات في العالم، والهدف من ذلك زيادة الوعي بمخاطر انقراضه، وتكثيف الجهود لحماية ما تبقى منه في البراري وإعادة توطينه. وبهذه المناسبة تطلق المملكة العديد من الفعاليات التي تتضمن مبادرات مثل مسيرة «كات ووك» -Catwalk- لزيادة الوعي بالقطط البرية المهددة، بالإضافة إلى ورش عمل تعليمية للأطفال «قصة النمر العربي» وفعاليات ثقافية ورياضية في العلا، وتشمل جهود المملكة استراتيجية الحفاظ على النمر العربي من خلال استعادة الموائل الطبيعية، إطلاق الفرائس، وتكثيف برامج التربية في مراكز متخصصة مثل مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية، ويمثل النمر العربي رمزاً ثقافياً وبيئياً أصيلاً، ويُعد الحفاظ عليه جزءاً من التزام المملكة برؤية 2030 لتنمية مستدامة وحماية البيئة، وهذا اليوم لم يأتِ بوصفه مناسبة رمزية عابرة، بل نتاج رؤية استراتيجية أدركت مبكرًا أن حماية الكائنات المهددة بالانقراض تمثّل جوهرًا من جواهر الاستدامة، وركيزة أساسية في بناء علاقة متوازنة بين الإنسان والطبيعة. توسع منهجي ووضعت الهيئة الملكية لمحافظة العلا استراتيجية متكاملة للمحافظة على النمر العربي، انطلقت من إدراك عميق بأن حماية الكائنات المهددة بالانقراض لا تنفصل عن حماية المكان والإنسان معًا، وقد تجسّد هذا التوجه في التوسّع المنهجي لبرامج الإكثار، وفي مقدمتها افتتاح مركز النمر العربي في محمية شرعان الطبيعية، وفق أعلى المعايير الدولية المعتمدة في الإكثار والحفظ، سواء من حيث البنية التحتية، أو إدارة السلالات الوراثية، أو برامج الرعاية والتأهيل قبل الإطلاق، وفي قلب هذا الجهد المؤسسي، تبرز الهيئة كنموذج متقدم في دمج حماية التنوع الأحيائي مع مسارات التنمية المستدامة، فلم تعد برامج الإكثار مجرد إجراءات تقنية معزولة، بل جزءًا من رؤية شاملة تعيد التوازن بين الإنسان والطبيعة، وتحوّل الحفاظ البيئي إلى رافعة ثقافية واقتصادية وسياحية، وقد أسهم هذا النهج في إعادة تعريف مفهوم الحماية البيئية، ليصبح مسارًا متكاملًا يتقاطع مع الثقافة المحلية، والسياحة البيئية المسؤولة، والاقتصاد الأخضر، بما ينسجم بوضوح مع مستهدفات رؤية 2030. نموذج تنموي ويمثل النمر العربي، بوصفه أصغر السلالات الفرعية للنمور وأكثرها تكيفًا مع البيئات الجبلية الجافة في شبه الجزيرة العربية، عنصرًا محوريًا في هذا التحول، فحضوره التاريخي الموثق في الرسوم الصخرية بالعلا والشويمس، منذ آلاف السنين، يجعله رمزًا متجذرًا في الذاكرة الثقافية للمنطقة، ودليلًا على عمق العلاقة بين الإنسان والطبيعة، غير أن الضغوط الحديثة، من فقدان الموائل الطبيعية والصيد الجائر وتراجع الفرائس، دفعت بهذا الكائن الفريد إلى حافة الانقراض، ما استدعى تحركًا عاجلًا يتجاوز حماية نوع واحد إلى صون منظومة بيئية كاملة، وبهذا النهج، لم يعد النمر العربي مجرد ملف حماية، بل أصبح عنوانًا لمرحلة جديدة تؤكد أن الاستثمار في الطبيعة هو استثمار في مستقبل الإنسان نفسه؛ مستقبل يقوم على استقرار المجتمعات، واستدامة الموارد، وبناء نموذج تنموي يوازن بين الطموح الحضاري والمسؤولية البيئية، ويعيد للطبيعة مكانتها بوصفها شريكًا أصيلًا في مسار التنمية. مناسبة سنوية وشكّل اعتماد يوم 10 فبراير يومًا وطنيًا للنمر العربي، محطة مفصلية في مسار العمل البيئي المؤسسي بالمملكة، حين أقرّ مجلس الوزراء 2022 هذا اليوم ليكون مناسبة وطنية سنوية للتوعية، والتثقيف، وحشد الجهود حول أحد أكثر الكائنات ندرةً ورمزية في البيئة العربية، ولم يكن هذا القرار رمزيًا فحسب، بل مثّل انتقالًا من حماية الأنواع بوصفها شأنًا متخصصًا إلى جعلها قضية مجتمعية، تُستحضر في المدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام، والبرامج التطوعية، بما يعزّز الوعي العام ويُرسّخ ثقافة المسؤولية البيئية لدى مختلف فئات المجتمع، وقد أتاح هذا الاعتماد الوطني منصة منتظمة لعرض المنجزات، ومراجعة السياسات، وتوسيع دائرة الشراكات بين الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي والقطاع الخاص، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي في جهود الحماية، ومع تكرار المناسبة سنويًا، تحوّل اليوم الوطني للنمر العربي إلى نقطة التقاء بين العلم والثقافة، وبين البحث الميداني والسرد الحضاري، حيث تُستعاد مكانة النمر العربي في الذاكرة التاريخية للمكان، ويُعاد تقديمه رمزًا للتوازن البيئي والهوية الطبيعية للمملكة. اعتراف عالمي ولم يتوقف هذا الأثر عند الحدود الوطنية، ففي يونيو 2023، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم نفسه «يومًا دوليًا للنمر العربي»، في خطوة تُجسّد اعترافًا عالميًا بالدور السعودي الريادي في حماية هذا النوع المهدد بالانقراض، ويعكس هذا القرار ثقة المجتمع الدولي في التجربة السعودية، ويؤكد قدرتها على تحويل المبادرات الوطنية إلى نماذج عالمية قابلة للاقتداء، لا سيما في مجالات الحفاظ على التنوع الأحيائي، وإدارة المحميات، وبرامج الإكثار وإعادة التوطين، كما حمل الاعتماد الدولي رسالة واضحة مفادها أن حماية النمر العربي مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقًا عابرًا للحدود، وتكاملًا في تبادل المعرفة والخبرات، ودعمًا للبحث العلمي وبناء القدرات، وبهذا، أصبح يوم 10 فبراير موعدًا سنويًا عالميًا لتجديد الالتزام بحماية الأنواع المهددة، وتعزيز الشراكات الدولية، وتأكيد أن الاستثمار في الطبيعة لم يعد خيارًا بيئيًا فقط، بل ركيزة من ركائز التنمية المستدامة، والاستقرار البيئي، وصناعة مستقبل أكثر توازنًا للإنسان والكوكب. تأهيل الموائل وتقود الهيئة الملكية لمحافظة العلا استراتيجية متكاملة لحماية النمر العربي، تنطلق من فهم شامل بأن بقاء هذا الكائن المهدد بالانقراض مرتبط ارتباطًا مباشرًا بصحة المنظومة البيئية ككل، وتبدأ هذه الاستراتيجية بإعادة تأهيل الموائل الطبيعية في البيئات الجبلية، عبر استعادة الغطاء النباتي، وحماية مصادر المياه، وتنظيم الأنشطة البشرية، بما يضمن توفير شروط الحياة الطبيعية للنمر وفرائسه، ويحد من الضغوط التي قادته سابقًا إلى حافة الانقراض، ولا تقف هذه الجهود عند حدود الحماية الميدانية، بل تمتد إلى بناء منظومة علمية وإدارية قادرة على الاستدامة طويلة المدى، وفي هذا الإطار، خصصت الهيئة ميزانيات باهظة لدعم «صندوق النمر العربي»، في خطوة تُعد من أكبر المبادرات التمويلية عربيًا الموجهة لحماية نوع واحد مهدد بالانقراض، ويعكس هذا الدعم المالي حجم الالتزام المؤسسي، ويؤكد أن الحفاظ على التنوع الأحيائي لم يعد نشاطًا ثانويًا، بل أولوية وطنية واستثمارًا استراتيجيًا في رأس المال الطبيعي، وقد أتاح الصندوق توسيع برامج البحث العلمي، وتطوير الشراكات الدولية، ودعم برامج التوعية المجتمعية، إلى جانب تمويل عمليات الرصد والمتابعة الميدانية. برامج تزاوج وتتكامل هذه الجهود مع الدور العلمي الذي يضطلع به مركز إكثار النمر العربي في الطائف، حيث تُدار برامج تزاوج قائمة على أسس علمية دقيقة تراعي التنوع الوراثي، وتضمن صحة السلالات على المدى الطويل، وقد أثمرت هذه البرامج، منذ عام 2021، عن ولادات ناجحة أعادت الأمل بإمكانية استعادة هذا الكائن إلى موائله الطبيعية مستقبلًا، ويُعد ميلاد الشبل «أمل» محطة رمزية بالغة الدلالة، ليس فقط لكونه إنجازًا علميًا، بل لأنه يعكس انتقال جهود الحماية من مرحلة الإنقاذ إلى مرحلة التعافي، وبهذا النهج المتكامل، تتجاوز حماية النمر العربي حدود الإكثار والرعاية، لتصبح نموذجًا عمليًا للاستدامة البيئية، يجمع بين التمويل طويل الأمد، والعلم، وإدارة الموائل، وإشراك المجتمع، وهو نموذج يؤكد أن حماية الأنواع المهددة ليست غاية في ذاتها، بل مدخلًا لإعادة التوازن البيئي، وتعزيز جودة الحياة، وبناء علاقة أكثر وعيًا ومسؤولية بين الإنسان والطبيعة. إنذار علمي ويُصنّف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة «النمر العربي» ضمن فئة مهدد بالانقراض بشكلٍ حرج، وهي أعلى درجات الخطر قبل الانقراض في البرية، ما يعكس حجم التراجع الحاد في أعداده وانتشاره خلال العقود الأخيرة، ويُعد هذا التصنيف إنذارًا علميًا واضحًا بأن بقاء النمر العربي لم يعد مضمونًا دون تدخلات منهجية طويلة الأمد، تتجاوز الحلول الجزئية أو الموسمية إلى سياسات حماية شاملة ومستدامة، ويتميّز النمر العربي بخصائص بيولوجية تجعله متكيفًا مع البيئات الجبلية الجافة في شبه الجزيرة العربية؛ إذ يزن الفرد البالغ عادة بين 20 و30 كيلوجرامًا، ويصل طوله بما في ذلك الذيل إلى نحو 203 سنتيمترات، وهو ما يجعله أصغر السلالات الفرعية للنمور، وأكثرها رشاقة وقدرة على الحركة في التضاريس الوعرة، ويعتمد في غذائه على الغزلان والوعول الجبلية والأرانب والقوارض، وما يضعه في قمة الهرم الغذائي ضمن النظم البيئية التي يعيش فيها، وبصفته مفترسًا قمّيًا، يؤدي النمر العربي دورًا محوريًا في ضبط التوازن الطبيعي، عبر تنظيم أعداد الفرائس ومنع اختلال السلاسل الغذائية، فغيابه لا يعني فقدان نوع واحد فحسب، بل يفتح الباب أمام تكاثر غير منضبط لبعض الكائنات، وتدهور الغطاء النباتي، واختلال النظام البيئي بأكمله، ولهذا، تنظر العلوم البيئية الحديثة إلى حماية المفترسات القمية بوصفها مدخلًا لحماية المنظومات البيئية كاملة، لا مجرد إجراء حفاظي محدود. تحرك دولي وساهمت عوامل عدة في وصول النمر العربي إلى هذا الوضع الحرج، من أبرزها فقدان الموائل الطبيعية نتيجة التوسع العمراني والأنشطة البشرية، وتراجع الفرائس، إلى جانب الصيد الجائر والتعدي على البيئات الجبلية، ومع ذلك، فإن إدراجه ضمن قائمة «الخطر الحرج» لم يكن نهاية المسار، بل بداية لتحرك دولي وإقليمي أعاد تسليط الضوء على أهميته البيئية والثقافية، وإلى جانب البحث العلمي والتمويل المؤسسي، تراهن المملكة بشكل واضح على الوعي المجتمعي بوصفه ركيزة لا غنى عنها في مسار حماية النمر العربي واستدامة جهوده، فالحفاظ على الأنواع المهددة لا يتحقق بالقرارات والبرامج الفنية وحدها، بل يحتاج إلى مجتمع واعٍ يدرك قيمة التنوع الأحيائي، ويشعر بمسؤوليته تجاهه، ومن هذا المنطلق، جاءت برامج يوم النمر العربي لتؤدي دورًا توعويًا واسع النطاق، يستهدف مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، ويحوّل المعرفة البيئية إلى ممارسة ثقافية يومية، وشملت هذه البرامج حملات مدرسية وتربوية تعرّف النشء بأهمية النمر العربي في التوازن البيئي، ومبادرات فنية وإبداعية استلهمت رمزيته في الفنون البصرية والقصص والوسائط التفاعلية، إلى جانب تفاعل رقمي واسع عبر وسم #يومالنمرالعربي، الذي أسهم في إيصال الرسالة البيئية إلى جمهور عريض داخل المملكة وخارجها. رأي عام ولعب انخراط شخصيات عامة، وسفراء، ومسؤولين، وصنّاع محتوى، دورًا مهمًا في نقل القضية من نطاقها البيئي المتخصص إلى فضاء الرأي العام، لتصبح موضوعًا حاضرًا في النقاشات المجتمعية، ومثالًا على العلاقة المتوازنة بين الإنسان وبيئته، وتؤكد تجربة المملكة، بقيادة الهيئة الملكية لمحافظة العلا، أن حماية النمر العربي ليست مشروعًا بيئيًا معزولًا أو استجابة ظرفية، بل نموذجًا تنمويًا متكاملًا يجمع بين العلم والبحث، والتمويل طويل الأمد، والوعي المجتمعي، والدبلوماسية البيئية، وهو نموذج يعكس انتقال العمل البيئي من الهامش إلى صميم السياسات التنموية، ومع تنامي الاعتراف الدولي بهذه الجهود، لم يعد النمر العربي مجرد رمز مهدد بالانقراض، بل أصبح عنوانًا لمرحلة جديدة من القيادة السعودية في حماية التنوع الأحيائي، ورسالة تؤكد أن العالم العربي قادر على تقديم نماذج رائدة في صون الطبيعة، وبناء مستقبل يقوم على الاستدامة والمسؤولية المشتركة. حماية النمر مسؤولية تتطلب تكاملًا في تبادل المعرفة والخبرات ولادات ناجحة أعادت الأمل باستعادة هذا الكائن مكانته في البيئة