يعاني عالمنا المعاصر حالة من الاضطراب الجيوسياسي الحاد "Geopolitical Turbulence"، في خضمّ أزماتٍ عميقة الجذور تجاوزت في جوهرها مجرّد توتّرات عابرة، لتظهر في صورة ما يمُكن وصفه ب"الأزمات الشاملة" (Polycrisis). ويتجلّى هذا الوضع في شكل تقاطع مركب بين الصراعات العسكرية التقليدية وحروب التقنية الفائقة، والاضطرابات الاقتصادية المتلاحقة، وصعود القوميّات المتطرفة، وصولًا إلى تآكل هيبة المؤسسات الدولية. ومما يبدو فهذه الحالة من "الفوضى الممنهجة" لم تضع قواعد النظام الدولي في مأزق بنيوي فحسب، بل تتحدّى النظريات السياسية الكلاسيكية عند محاولة فك شفرات هذا الواقع الغارق في حالة عدم اليقين. وفي وسط هذا الصخب، تظلّ النظرية الواقعية (Realism) الأداة التحليلية الأكثر صرامة في تفسير محفّزات الصراع. فهي تنطلق من فرضية مفادها أن غياب/ضعف سلطة مركزية عالمية جعل "الأمن" سلعة نادرة، ما يدفع الدول اضطرارًا نحو تعظيم قوتها الذاتية لضمان البقاء. وفي هذا الإطار، يبرز التنافس الأمريكي-الصيني كنموذج تطبيقي لما يسميه جون ميرشايمر "الواقعية الهجومية"؛ حيث لا يعدو النزاع حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي كونه محاولة من قوة صاعدة لفرض هيمنة إقليمية، تقابلها قوة مهيمنة تسعى للاحتواء عبر تحالفات استراتيجية مثل "أوكوس" و"كواد". وهذا الاشتباك ليس مجرد حرب تجارية، بل هو "معضلة أمنية" صفرية يرى فيها كل طرف أن تعاظم قوة الآخر يجسّد تهديدًا وجوديًا لمكانته. وبذات المنطق، تفسّر الواقعية الحرب في أوكرانيا بوصفها انفجارًا لصراع الإرادات حول "المجالات الحيوية"؛ فمن منظور موسكو، يجسّد تمدّد الناتو شرقًا اختراقًا لمنطقة عازلة تاريخيًا، مما جعل القوة الصلبة خيارًا استراتيجيًا في موسكو لاستعادة توازنٍ جيوسياسي اختلّ منذ سقوط الاتحاد السوفيتي. وعلى الضفة المقابلة، تترنّح النظرية الليبرالية (Liberalism) تحت وطأة واقعٍ مرير، وهي التي راهنت طويلًا على أن المؤسسات الدولية والاعتماد الاقتصادي المتبادل سيكبحان جماح الحروب. وبينما يظل الاتحاد الأوروبي أنموذجًا لهذا الرهان، إلا إنه اليوم يواجه تحدي "الانكفاء القومي" وصعود التيارات الشعبوية التي ترى في الاندماج تذويبًا للسيادة الوطنية. وهنا تتكشّف هشاشة الطرح الليبرالي مع تحول "الاعتماد المتبادل" من أداة للسلام إلى "سلاح" في الحروب الاقتصادية، حيث عادت الأولوية للأمن الوطني على حساب الاقتصاد التكاملي، مما حوّل المنظمات الدولية إلى منصّات خطابية تفتقر لآليات التنفيذ الفعالة. وبين مطرقة الواقعية وسندان الليبرالية، تبرز النظرية البِنائية (Constructivism) لتعميق الفهم عبر التركيز على "سيكولوجية الصراع". فالمصالح الدولية، في نظر البِنائيين، ليست حقائق صلبة بل هي تصوّرات ذهنية تُبنى تاريخيًا. ، مما يفسّر إخفاق الحلول السياسية التقليدية في غياب معالجة هواجس "الأمن الوجودي" للهويات. وكذلك في التنافس بين واشنطن وبكين، تلعب "الصورة الذهنية" دورًا حاسمًا؛ حيث تؤطر واشنطن الصراع كمعركة بين "الديمقراطية والاستبداد"، وتُصوّر الصين نموذجها كقوة تنموية بديلة، وهي تصوّرات فكرية لكنّها تشكل التحالفات وتبرر السياسات قبل أن تتحرّك الجيوش. وفي ظل هذا الارتباك، تبرز أطرٌ تكميلية أخرى مثل "نظرية انتقال القوة- Power Transition Theory " التي تحذّر من "فخ ثوسيديديس" حين تهدّد قوة صاعدة (Rising Power) (الصين/الهند) بإزاحة قوة مهيمنة (Ruling Power) من مكانتها في الصدارة. وهذا الوضع أيضا يحفّز استدعاء "نظرية الرجل المجنون- Madman Theory " التي تُفسر كيف يستخدم بعض القادة (ترمب مثلًا) سلوكيات غير متوقّعة لزعزعة يقين الخصوم والحلفاء وانتزاع تنازلات استراتيجية. وفي المجمل، فإن هذا الارتباك النظري لا يعني فشل الفكر السياسي، بل يعكس تكامل لوحة الفوضى؛ فالواقعية توصّف خرائط القوة، والليبرالية ترسم حدود التعاون الممكن، بينما تكشف البِنائية عن الدوافع العميقة خلف السلوك البشري. وبهذا فإن الفوضى الحالية هي في جوهرها دعوة لتطوير أدوات تحليلية جديدة تفكّك هذا التشابك المعقد بين القوة والمصلحة والهوية في عالم لم يعد يعترف بثوابته القديمة. * قال ومضى: عند الخصومات ينتصر أهل المُرُوءات.. أما الخصم الوضيع.. فسوف يضيع!