بدأت الحكاية من لقاء في «برنامج الليوان» حين تحدّث الشيخ عبدالرحيم الرفاعي بطريقة جريئة وغير معتادة عن عالمٍ اعتدنا أن يُطرح بصيغة الجزم. لم يكن الصوت مرتفعًا، ولا اللغة حادة، بل أقرب إلى مراجعة داخلية لفكرةٍ ترسّخت طويلًا: أن كثيرًا مما يُفسَّر على أنه مسّ من الجن قد يكون في حقيقته شأنًا نفسيًا لم يُقرأ جيدًا. وهنا تبدأ الأسئلة. ليس من باب الإنكار، بل من باب المنهج. إذا كان «المس» ظاهرة واسعة وعالمية كما يُقال، فلماذا لا نرى لها حضورًا علميًا واضحًا؟ لماذا لا يوجد تخصص طبي يُعنى بها؟ لماذا لا نجد أطباء نفسيين يعلنون أنهم مختصون في «علاج المس»؟ هل هناك تهديد من الجن للأطباء بألا يتحدثوا عن هذا الموضوع؟! أي ظاهرة إنسانية متكررة، يفترض أن تجد طريقها إلى البحث العلمي، إلى المختبر، إلى التصنيف. لكن هذا لم يحدث. في المقابل، يقدّم الطب النفسي تفسيرًا مختلفًا للمشاهد نفسها التي تُروى كثيرًا. شخص يقول: «هناك من يكلمني». في الطب، هذه حالة معروفة تُسمى الهلوسة السمعية؛ يسمع الإنسان صوتًا يبدو حقيقيًا تمامًا رغم عدم وجود مصدر خارجي له. هذه الحالة ليست نادرة، بل ترتبط باضطرابات معروفة مثل الفصام أو الاكتئاب الشديد، وقد تكون أحيانًا نتيجة أسباب عضوية كجلطة دماغية أو اضطراب في الجهاز العصبي. بل إن نسبة من الناس قد تمر بتجربة مشابهة في ظروف التوتر أو قلة النوم. المشهد نفسه، إذن، يتكرر في كل مكان. في العالم الغربي، يُقرأ ضمن إطار طبي ونفسي، وتُبنى عليه خطة علاج. أما في بيئات أخرى، فقد يُعاد تفسيره مباشرة بوصفه «مسًا» أو «تلبسًا". الفارق هنا ليس في التجربة، بل في التفسير. فالصوت الذي يسمعه الإنسان حقيقي بالنسبة له في الحالتين، لكن الطريق الذي نسلكه لفهمه هو ما يصنع النتيجة. الإشكالية لا تقف عند حدود التفسير، بل تمتد إلى أثره. حين يُقال للمريض منذ البداية »أنت ممسوس«، فإن هذه الجملة لا تبقى مجرد توصيف، بل تتحول إلى فكرة يعيشها. ومع التكرار، ومع جلسات تعيد المعنى نفسه، قد يبدأ الإنسان في التعبير عن هذه القناعة سلوكًا وشعورًا، لا لأنه يتصنّع، بل لأنه اقتنع. وهنا تتداخل النفس مع الفكرة، فيصعب الفصل بينهما. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الإنسان - في كل الثقافات - يبحث عن الطمأنينة. في الغرب، ظهرت ممارسات مثل »الريكي» وهي جلسات تقوم على الاسترخاء والتركيز والإيحاء الإيجابي. لا تُطرح بوصفها علاجًا لكائنات خفية، بل وسيلة لتهدئة النفس. ورغم الجدل حولها، فإن ما يُفسَّر علميًا منها هو أثرها في تقليل التوتر وتعزيز الشعور بالراحة. إذا نظرنا إلى الرقية من زاوية مشابهة، يمكن أن نفهم جانبًا منها بوصفه مساحة طمأنينة روحية؛ قراءة ودعاء تمنح الإنسان إحساسًا بالأمان. لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول من وسيلة تهدئة إلى أداة تشخيص، ومن دعم نفسي إلى تفسير جاهز لكل حالة. هنا لا تعود المشكلة في الرقية نفسها، بل في الدور الذي أُعطي لها. السؤال إذن ليس: هل هذه التجارب حقيقية؟ بل: كيف نفسرها؟ هل نبدأ بما يمكن قياسه وفهمه علميًا، ثم نترك مساحة لما لا يمكن الجزم به؟ أم نعكس الطريق فنضع التفسير الغيبي في المقدمة، ونؤخر ما يمكن علاجه؟ وهنا تظهر نتائجها السلبية في المجتمع. ما طرحه ذلك اللقاء لم يكن إجابة، بل كان دعوة لإعادة ترتيب الأسئلة. لأن الفرق بين أن نطمئن إنسانًا، وأن نقنعه بأنه يحمل شيئًا داخله، فرقٌ كبير. وبين تفسير يفتح باب العلاج، وتفسير قد يغلقه، وهنا تتحدد رحلة الإنسان مع ألمه.. إما نحو التعافي، أو نحو مزيد من التعقيد.