لا يمكن فهم ما يجري اليوم في أسواق الطاقة العالمية دون العودة إلى قرار اتُخذ في ثمانينيات القرن الماضي، حين قررت المملكة أن تبني مخرجًا لنفطها لا يمر بمضيق هرمز؛ قرار بدا وقتها تكلفة بلا عائد، وأثبت اليوم أنه كان تأمينًا لمستقبل لم يكن أحد يعرف متى سيأتي. مضيق هرمز الذي يعبر منه نحو خُمس استهلاك النفط عالميًا بات اليوم، في ظل المواجهة الدائرة، شريانًا مضطربًا يعجز كثير من المنتجين عن الاعتماد عليه. في هذه اللحظة بالذات انتقلت المملكة من موقع التأثر باضطرابات سلاسل الإمداد إلى موقع التحكم في مساراتها؛ إذ سارعت أرامكو السعودية إلى تفعيل خط أنابيب الشرق–الغرب، مُبلِّغةً عملاءها بضرورة تحميل شحناتهم من ميناء ينبع على البحر الأحمر بدلًا من موانئ الخليج. هذا الخط الممتد 1200 كيلومتر من حقول بقيق والغوار وخريص في المنطقة الشرقية حتى ميناء ينبع، يملك طاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين برميل يوميًا وفق بياناته التشغيلية المعتادة، وقد تجلّت أهميته اليوم مع تشغيله عند طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميًا في ذروة الأزمة الحالية، وهو ما يجعله أحد أهم صمامات الأمان في منظومة الطاقة العالمية، ويؤكد أن ما بُني كخيار احتياطي أصبح اليوم أداة تشغيل رئيسية في إدارة الإمدادات. غير أن قيمة هذا المشروع لا تُقاس بالبراميل فقط، بل بما يتيحه من قدرة على الاستمرار عندما تختل المسارات، وعلى التحرك حين تضيق الخيارات. فهو يمنح المملكة ما لا تملكه معظم الدول المنتجة: القدرة على الاستمرار في تزويد العالم بالطاقة حين تنهار المسارات التقليدية. وهذا تحديدًا ما أشار إليه وزير المالية حين أكد أن المملكة ضخّت فيه أموالًا هائلة على مدى عقود، دون مردود مالي فوري، لأن المنطق لم يكن منطق الربح، بل منطق السيادة والاستعداد. وإذا كان هذا الخط قد وُلد كقرار سيادي في الثمانينيات، فإن رؤية 2030 أعادت تعريف قيمته، لا كممر نفطي فقط، بل كأصل لوجستي ضمن شبكة نفوذ اقتصادي أوسع. ومن هنا جرى تطويره ورفع طاقته الاستيعابية ودمجه في منظومة لوجستية أشمل ليصبح الموقع الجغرافي للمملكة مصدر قوة إستراتيجية يُعزّز تنافسيتها ويدعم حضورها في منظومة الطاقة العالمية. وهذا يفسّر ما أكدته وكالة «ستاندرد آند بورز» مؤخرًا حين رفعت تصنيف المملكة إلى «A» معترفةً بالتحول الاقتصادي المتواصل، ومشيرةً إلى أن ينبع الواقعة على بعد أكثر من 1500 كيلومتر من إيران تتيح تصدير النفط شرقًا نحو آسيا أو غربًا عبر قناة السويس إلى أوروبا، في مرونة لوجستية نادرة لا يملكها سواها. القصة هنا ليست قصة أنبوب نفط، بل قصة تفكير إستراتيجي لدولة لا تنتظر الأزمات لتفكر، بل تفكر وتنفذ ثم تأتي الأزمات لتؤكد أنها كانت على حق.