خلال الساعات القليلة الماضية، جمع المشهد 3 عناصر متناقضة ومتشابكة في آنٍ واحد: تصعيد عسكري متواصل في سماء طهران وبيروت والخليج، ومفاوضات تتحرك عبر وسطاء في إسلام آباد والرياض، وتهديد أمريكي غير مسبوق يضع إيران أمام خيار وجودي حاد: إما فتح مضيق هرمز والجلوس إلى طاولة التفاوض، أو مواجهة تدمير شامل لمحطات كهربائها وآبار نفطها، وجزيرة خارك شريان اقتصادها. في الوقت الذي أطلق الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في منشور على منصة التواصل الاجتماعي تحذيرًا يختصر الحرب في معادلة واحدة لا لبس فيها، فيما استمر القصف المتبادل دون توقف، وامتدت شظاياه لتطول دولاً خليجية لم تكن طرفًا في الحرب يومًا. إنذار ترمب المنشور الذي نشره ترمب، صباح أمس، جاء صريحًا إلى حد الصدمة؛ إذ توعّد بتفجير جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط الإيرانية، وجزيرة خارك «وطمسها بالكامل» إذا لم يُفتح مضيق هرمز فورًا. وجاء التهديد مزدوجًا، إذ سبقه في الأيام الماضية تحذير بمهاجمة محطات تحلية المياه الإيرانية، قبل أن يمنح ترمب طهران مهلة 10 أيام لوقف الهجمات على محطات الطاقة، تنتهي في السادس من أبريل، أما جزيرة خارك التي تُصدّر نحو تسعين بالمئة من النفط الإيراني، وفق تقديرات مصرف «جي بي مورجان»، فقد كشف ترمب لصحيفة «فايننشال تايمز» أنه يدرس الاستيلاء عليها، مضيفًا أن الجيش الأمريكي «يمكنه فعل ذلك بسهولة كبيرة»، وقد تعرضت الجزيرة أصلاً لهجوم أمريكي في منتصف مارس. ما يعزز ثقل هذا التهديد أن ترمب أبدى في السياق نفسه نبرة مغايرة تمامًا حين وصف القادة الإيرانيين الحاليين بأنهم «عقلانيون للغاية»، وأنه واثق من إبرام اتفاق معهم، معتبرًا ما حدث من تغيير في القيادة الإيرانية بعد مقتل عدد من كبار قادتها بمثابة «تغيير في النظام»، هذا التأرجح بين التهديد والتمديد يكشف أن واشنطن تخوض لعبة ضغط مُحكمة، لا حرب إبادة مفتوحة. سماء طهران تحترق على الأرض وفي السماء، لم يتوقف شيء، أعلن الجيش الإسرائيلي، فجر أمس الإثنين، أنه شنّ ضربات على بنى تحتية عسكرية إيرانية في أنحاء طهران، وأكد إسقاط 80 قذيفة على العاصمة خلال ليلة الإثنين، واستهداف 40 موقعًا صناعيًا وبحثيًا لإنتاج الأسلحة. وتشمل القائمة مجمعًا لإنتاج محركات الصواريخ الباليستية، ومجمعًا لتطوير مكوناتها، وموقعًا لتجميع الصواريخ البعيدة المدى، وأضاف معهد دراسات الحرب الأمريكي أن الضربات طالت أيضًا مواقع للحرس الثوري البري في يزد وأصفهان وبختياري، وكذلك جامعة العلوم والتقنيات العسكرية في أصفهان. وأفاد الإعلام الإيراني أنه سمع أصوات انفجارات متتالية في طهران وهمدان وعبادان وتبريز، وفي منطقتي إكباتان ومهر آباد داخل العاصمة. في المقابل، لم تصمت طهران؛ إذ أطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل، وتمكّنت من اختراق دفاعاتها جزئيًا، وأعلنت يسرائيل هيوم أن صاروخًا إيرانيًا كان يستهدف مفاعل ديمونا النووي قبل أن يتم اعتراضه، فيما أفادت تقارير صحفية عن اعتراض صاروخين في جنوب إسرائيل، وتواصل تبادل الضربات على وتيرة لا تُخطئها: «هجومًا، واعتراضًا، وردًا». استهداف الخليج الأشد مرارةً في مشهد، أمس الاثنين، أن الحرب باتت تستنزف دولاً خليجية لم تختر يومًا أن تكون جزءًا من هذا الصراع، وأعلنت وزارة الكهرباء الكويتية عن أضرار لحقت بمبنى خدمي في محطة كهرباء وتقطير مياه جراء الهجمات الإيرانية. وفي السعودية، أعلنت وزارة الدفاع اعتراض صواريخ باليستية، أما البحرين والأردن وقطر والإمارات، فقد تعرضت جميعها لهجمات بالمسيرات والصواريخ وتم اعتراضها، هذه الضربات المتكررة تكشف عن نمط إيراني يتعمد إشراك دول الخليج في معادلة الضغط، وهو ما يتقاطع مع التناقضات الإيرانية بين تصريحاتها بعدم استهداف دول الخليج والوقائع الميدانية المخالفة؛ لذلك تمامًا. وتزداد خطورة هذا النمط حين يُقرأ في سياق تصريحات قائد الحرس الثوري السابقة بأنه «لا توجد منطقة آمنة في دول الخليج»، وهو ما يترجمه القصف اليومي على البنى التحتية المدنية في دول لم تشارك في أي عمل عسكري ضد إيران. قائد ثوري يسقط على صعيد الخسائر القيادية الإيرانية، أعلن الحرس الثوري وفاة قائد بحريته، علي رضا تنكسيري، متأثرًا بإصابات بالغة خلفتها الضربات الإسرائيلية، وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد أعلن في 26 مارس القضاء على «تنكسيري» في عملية وصفها ب«الدقيقة والمميتة»، إلى جانب كبار مسؤولي القيادة البحرية. وتُضاف هذه الخسارة إلى سلسلة طويلة من الاغتيالات القيادية التي طالت الجانب الإيراني منذ انطلاق الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، وهي الخسائر التي استند إليها ترامب نفسه حين وصف ما جرى ب«تغيير النظام». وساطة باكستانية في مقابل هذا الحريق الميداني، تتحرك الدبلوماسية في ممرات ضيقة، حيث أعلن وزير الخارجية الباكستاني، إسحق دار، بعد محادثات جمعته بنظرائه السعودي والتركي والمصري، أن إسلام آباد تستعد لاستضافة «محادثات جادة بين أمريكاوإيران خلال الأيام المقبلة». وتلقّت طهران مقترحات أمريكية عبر وسطاء، وصفها المتحدث باسم خارجيتها، إسماعيل بقائي، بأنها «غير واقعية وغير منطقية ومبالغ فيها»، مؤكدًا أن إيران تركّز جهودها كاملةً على الدفاع عن نفسها في مواجهة ما سمّاه «عدوانًا عسكريًا»، غير أن مسؤولًا أمنيًا باكستانيًا أشار إلى أن محادثات مباشرة بين واشنطنوطهران تبدو «مستبعدة هذا الأسبوع»، في إشارة إلى أن الفجوة بين الطرفين لا تزال عميقة. اتفاق أم استنزاف؟ المشهد في مجمله يرسم خطًا متوازيًا بين حرب لا تهدأ وتفاوض لا يُكتمل.. ترمب يريد اتفاقًا ويُلوّح بالتدمير الشامل في الوقت نفسه، وإيران ترفض الشروط علنًا، بينما يفتح وسطاؤها قنوات للحوار، والخليج يدفع ثمن صراع لم يختره، ويعتبر استهدافه انتهاكًا صريحًا لكل الأعراف، وإسرائيل تواصل ضرباتها الجراحية على البنية العسكرية الإيرانية دون إعلان أهداف نهائية، وفي طهران، يتداول البرلمان الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي في رسالة تصعيد تُعيد رسم حدود الخطر. الحرب التي بدأت قبل شهر لم تنتهِ، والتفاوض الذي يتشكّل لم يبدأ بعد، وبين الجولتين، تحترق طهران وتتصدى المنظومات الدفاعية في الخليج، ويقف العالم أمام ساعة الحسم التي لا يعرف أحد متى تدق. ترمب يهدد بتفجير محطات الكهرباء وآبار النفط الإيرانية وجزيرة خارك إذا لم يُفتح هرمز. إسرائيل تُلقي 80 قذيفة على طهران في ليلة واحدة وتقصف 40 موقعًا عسكريًا. إيران تردّ بصواريخ باتجاه إسرائيل، واحد منها استهدف ديمونا واعترض. هجمات إيرانية بالصواريخ والمسيرات على دول الخليج. اغتيال قائد بحرية الحرس الثوري، علي رضا تنكسيري. بوساطة باكستانية محادثات أمريكية إيرانية مرتقبة بتنسيق خليجي تركي مصري.