في مشهد يعكس أصالة النفس العربية يبرز بعض ملاك الإبل اليوم كحراس للقيم والموروث العريق من خلال تمسكهم بتقديم حليب الإبل مجانا لكل قاصد وعابر دون انتظار مقابل مادي ولا يقتصر هذا الكرم على حضور المالك بل يمتد ليشمل توجيهاته للرعاة بتقديم الحليب لكل من يطلبه في غيابه وهو ما يعد دليلا حيا على نبل وكرم هؤلاء الملاك الذين جعلوا من العطاء نهجا ثابتا لا يتوقف حيث يرى هؤلاء أن بركة المال تزيد بالبذل وأن إكرام الغريب وصية توارثوها كابرا عن كابر لتظل بيوتهم ومراعي إبلهم واحات جود لا تنضب مهما تغيرت الظروف أو غلبت لغة المصالح المادية فهذا العطاء لا يرتبط بمصلحة عابرة بل هو استثمار في الأجر وبناء لسمعة طيبة تفخر بها الأجيال كجزء من هويتهم الاجتماعية وفي المقابل يشهد قطاع الإبل تحولا تجاريا كبيرا حيث اتجه آخرون لتحويل إنتاج الحليب إلى مشروع اقتصادي عبر توزيعه في عبوات وبيعه في المحلات التجارية بأسعار تصل إلى 12 ريالا للتر الواحد ويفتح هذا التباين نقاشا واسعا حول مستقبل العطاء الفطري الذي ميز أهل الإبل لقرون طويلة فبينما يرى البعض أن التجارة ضرورة معاصرة لتغطية التكاليف ودعم الاقتصاد المحلي وتوفير المنتج بشكل منتظم لسكان المدن يبقى أولئك الذين يوصون بتقديم حليب إبلهم مجانا هم الرموز المضيئة لنبل الإنسان الذي يرى في إكرام الضيف واجبا مقدسا يسمو فوق لغة الأرقام والأرباح لتبقى تلك الطاسة البيضاء المليئة بالحليب رمزا خالدا للوفاء وشهامة لا تقدر بثمن في زمن سيطرت فيه الماديات على مفاصل الحياة. طاسات الحليب تقدم ضيافة لكل عابر وقاصد