ربما يقال إنما هو إعلان لاتفاق دولي آخر، سيمر مرور الكرام. فلطالما وقعت حكومات الدول مذكرات مع الجامعات والمؤسسات العالمية، وغالبا ما يكون تأثيرها ضئيلا. لكن الإعلان مؤخرا عن نية الاتفاق بين وزارة الاقتصاد والتخطيط وجامعة هارفارد، إذا قرئ قراءة صحيحة، قد يكون خبرا تاريخيا. لا تكمن أهميته في الشراكة نفسها إنما في المشكلة التي يراد حلها. تكشف لغة الإعلان عن بناء أنظمة بحثية وفتح آفاق جديدة للقدرة التنافسية ذات التأثير العالمي. هذه ليست مفردات السياسة القطاعية، أو لغة مشروع تنفيذي. إنها لغة العمارة الاقتصادية، كيف للمعرفة والمؤسسات وسياساتهما أن تنتج ميزة تنافسية طويلة المدى. بهذا المعنى، يشير الاتفاق إلى تحول جوهري حيث السؤال ليس عن المشاريع التي علينا بناؤها، إنما كيف للاقتصاد أن يتعلم ويتكيف وينافس؟ هذا التحول مهم لنا في المملكة، باعتبارنا اقتصادا متقدما نقترب من سقف النمو المدفوع بالتمويل والحوافز والمشاريع، بكل ما قدمته هذه الأدوات من توسع وسرعة. لكن الحجم وحده لا يضمن الإنتاجية، والسرعة لا تولد تلقائيا القدرة التنافسية على الحدود التقنية كما أوضحنا سابقا. مع نضوج الاقتصاد، لا يحسب قيدك بقدرتك على تنفيذ المشاريع إنما بقدرتك على تشخيص المشكلات واختبار السياسات والتعلم من المشاهدات والتجارب وتعديل المسار بناء على كل ذلك. في هذه المرحلة تصبح أنظمة البحث لا الدراسات الفردية أهم لمستقبل الاقتصاد. خلافا للتصور النمطي عن الأبحاث التي تولد التقارير قليلة التأثير ذات الاتجاه الواحد، تعمل منظومة البحث في اتجاه دائري عبر حلقات تغذية راجعة بين البيانات والتحليل وتصميم السياسات والنتائج. عندما تعمل هذه المنظومة، تصبح قاعدة للتنظيمات التي تحدد أولويات الميزانية والاستراتيجية الصناعية وتنمية رأس المال البشري. عندما لا يحدث ذلك، تذهب الأبحاث المرموقة –في حد ذاتها– هباء لاشتغالها بمعزل بعيدا عن مجال التأثير. لذلك المحك الحقيقي لاتفاقية هارفارد ليس التميز الأكاديمي، فهو مفروغ منه، إنما الاختبار هو القدرة على التطبيق. هل سينتج من الشراكة ما يضمن دخول البحث والتطوير في نسيج السياسات الوطنية؟ هل سيشارك المحللون والمؤسسات المحلية في إنتاج الأطر التنظيمية أم سيتلقون الجاهز منها فقط؟ هل سينجم من الأفكار تحول في منظومة الحوافز أو تنقيح للوائح أو إعادة تصميم للبرامج؟ وهل ستبقى المنظومة فاعلة بعد مغادرة القادة الأوائل الذين غرسوا الفكرة ورعوها في مراحلها المبكرة؟ في طيات مبادرة كبيرة مثل هذه ثمة مخاطر استراتيجية لابد من ذكرها. من تجارب الشراكات الدولية السابقة، نجدها تستبدل القدرات المحلية وتحل مكانها ولا تحفزها. يتولد الشعور عند الاستعانة بالقدرات الخارجية بالكفاءة على المدى القصير، لكنها تضعف المؤسسات نفسها التي نحتاجها لضمان القدرة التنافسية على المدى الطويل. الاختبار الذي يحدد نجاح الاتفاقية هو بناء القدرة التحليلية المحلية التي تضفي طابعا مؤسسيا للتعلم، مما يؤدي إلى خفض الاعتماد على الخبرة الخارجية مع الوقت. ما يدعو للتفاؤل أن الاتفاقية تراهن على المؤسسات. كما إنها تعترف ضمنا أن الاقتصاد العالمي اليوم لا يهندس القدرة التنافسية قطاعا واحدا واحدا على حدة، إنما يُبنى في منظومة متجانسة قادرة على التعلم الذاتي. أخيرا، لا تقاس أهمية الاتفاقية بالشريك الذي اختير لها، ولكن بما إذا كانت منهجيات التكيف واتخاذ القرار تعززت واتسع نطاقها. عندما يحدث ذلك، تغيب الشراكات عن المشهد رويدا لتحل محلها المؤسسات بعمقها الجديد.