أكد المستشار الاجتماعي طلال محمد الناشري أن الاهتمام بالصحة النفسية بات ضرورة ملحّة في إطار رؤية 2030 الهادفة إلى تحسين جودة الحياة وتعزيز منظومة الخدمات الصحية، إذ إن الصحة النفسية تعتبر ركيزة أساسية من ركائز الصحة العامة التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية. وأوضح أن الدعوات المتزايدة لإنشاء دار متخصصة لرعاية المرضى النفسيين في محافظة جدة تأتي استجابة لحاجة مجتمعية حقيقية، في ظل التوسع السكاني الكبير الذي تشهده المحافظة، وما يرافقه من ارتفاع في الطلب على خدمات الصحة النفسية، لافتا إلى أن السنوات الأخيرة، خاصةً بعد جائحة كورونا، كشفت عن زيادة ملحوظة في حالات الاكتئاب والقلق واضطرابات الصحة النفسية، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى منشآت متخصصة تقدم رعاية علاجية مستدامة وشاملة. وبيّن أن علاج المرض النفسي لا يقتصر على الجانب الدوائي فحسب، بل يتطلب توفير بيئة علاجية متكاملة تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية والسلوكية، وتسهم في مساعدة المرضى على استعادة توازنهم النفسي والاندماج مجددًا في المجتمع، فالمريض النفسي يحتاج إلى رعاية متخصصة تتجاوز حدود المستشفى التقليدي. وأضاف أن نجاح دار الرعاية النفسية يعتمد على تطبيق برنامج علاجي متكامل يشمل العلاج النفسي، والعلاج الوظيفي، وبرامج إعادة التأهيل، إلى جانب الدعم الاجتماعي من خلال برامج توعوية موجهة للأسر، تسهم في رفع مستوى الوعي بطبيعة الأمراض النفسية وسبل التعامل السليم مع المرضى، فضلا عن دورها في الحد من الوصمة الاجتماعية عبر توفير بيئة آمنة تحفظ كرامة المريض وتقلل من معاناته النفسية. وأشار إلى أهمية المتابعة المستمرة بعد الخروج من المستشفيات النفسية، فالرعاية اللاحقة تسهم بشكل كبير في تقليل فرص الانتكاس وتعزيز الاستقرار النفسي للمريض على المدى الطويل. ونوّه الناشري إلى أن المجتمع يواجه أحياناً حرجاً في التعامل مع المرض النفسي، حيث تنظر بعض الأسر إلى المريض بوصفه عبئا أو مصدرا للوصمة، ما يزيد من حدة معاناته، مؤكداً أن دور الرعاية النفسية لا يقتصر على العلاج فقط، بل يمتد إلى توفير المأوى والدعم الإنساني، إلى جانب دورها التوعوي في تصحيح المفاهيم المغلوطة وتغيير الصورة النمطية السائدة عن المرض النفسي. واختتم بالتأكيد على أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة، وأن تنفيذ فكرة مشروع إنشاء دار رعاية متخصصة للأمراض النفسية في جدة سيمثل نقلة نوعية في مفهوم الرعاية الصحية النفسية، وخطوة جادة نحو تحقيق رعاية شاملة لجميع فئات المجتمع، ورسالة إنسانية تعكس وعي المجتمع بأهمية التعاطف والرعاية المهنية المستمرة للمرضى النفسيين.