لم يعد العمل التطوعي اليوم مجرد نشاط تكميلي أو ممارسة هامشية تُؤدى في أوقات الفراغ، بل أصبح مؤشرًا حضاريًا يعكس وعي المجتمع وقدرته على التكاتف وتحمل المسؤولية. ومع ذلك، لا يزال التطوع في كثير من مجتمعاتنا حبيس المناسبات الموسمية، مرتبطًا بالفعاليات، أو الأزمات، أو الحملات المؤقتة، ليغيب حضوره المنتظم في تفاصيل الحياة اليومية، وكأن التطوع واجب طارئ لا ثقافة راسخة، تتجلى الصورة الموسمية للتطوع حين نراه يزدهر في شهر رمضان، أو خلال المناسبات الوطنية، أو عند وقوع الكوارث، ثم يخفت بريقه بمجرد انتهاء الحدث، هذه الصورة، رغم إيجابيتها، تكشف عن فجوة حقيقية بين إدراك أهمية التطوع وبين تحويله إلى سلوك مجتمعي دائم. فالتطوع الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور المنشورة أو الساعات المسجلة، بل بمدى تأثيره واستمراريته وقدرته على إحداث فرق ملموس في حياة الأفراد والمجتمع. أحد أسباب موسمية التطوع يعود إلى النظرة التقليدية التي تحصره في كونه عملًا إضافيًا غير ملزم، أو نشاطًا ثانويًا لا يتوافق مع ضغوط الحياة اليومية. كما أن ضعف التوعية بأهمية التطوع كقيمة تربوية، وليس كفعل خيري فقط، أسهم في اختزاله ضمن إطار ضيق. فالعمل التطوعي ليس حكرًا على فئة عمرية أو اجتماعية معينة، بل هو ممارسة إنسانية يمكن أن تبدأ من أبسط صورها داخل الأسرة، مرورًا بالحي، وصولًا إلى المؤسسات والمبادرات الكبرى. إن تحويل التطوع إلى ثقافة مجتمعية يتطلب أولًا دمجه في المنظومة التعليمية، بحيث ينشأ الطالب وهو يدرك أن العطاء جزء من هويته ومسؤوليته، لا مجرد نشاط للحصول على شهادة أو متطلب دراسي. كما يتطلب دورًا فاعلًا من وسائل الإعلام في تقديم نماذج تطوعية ملهمة، بعيدًا عن التناول الموسمي أو الترويجي، والتركيز على الأثر الإنساني والاجتماعي للتطوع. ولا يمكن إغفال دور المؤسسات، سواء الحكومية أو الأهلية أو الخاصة، في بناء بيئة حاضنة للعمل التطوعي المنظم، فالتطوع العشوائي، رغم نبل مقاصده، قد يفقد كثيرًا من قيمته إذا لم يُوجَّه ويُستثمر بالشكل الصحيح. حين تتوافر البرامج الواضحة، والتدريب المناسب، والتقدير المعنوي، يصبح التطوع خيارًا جاذبًا ومستدامًا، لا عبئًا مؤقتًا، كما أن ربط العمل التطوعي باحتياجات المجتمع الفعلية يعزز من استمراريته. فالمجتمع بحاجة إلى متطوعين في مجالات الصحة، والتعليم، والبيئة، والخدمات الاجتماعية، ودعم كبار السن، وتمكين الشباب. وعندما يشعر المتطوع أن جهده يسد حاجة حقيقية، وأن أثره واضح، يتحول التطوع من واجب موسمي إلى قناعة راسخة وسلوك دائم. إن المجتمعات التي نجحت في ترسيخ ثقافة التطوع لم تفعل ذلك بالصدفة، بل من خلال رؤية واضحة، وتشريعات داعمة، وتكامل بين القطاعات المختلفة. والتجارب العالمية تؤكد أن الاستثمار في العمل التطوعي يعود بالنفع على التنمية، ويعزز التماسك الاجتماعي، ويخفف الأعباء عن الجهات الرسمية، ويصنع مواطنًا فاعلًا يشعر بالانتماء والمسؤولية. ختامًا، يبقى التحدي الحقيقي أمامنا هو الانتقال بالعمل التطوعي من كونه رد فعل إلى فعل مستدام، ومن صورة موسمية إلى ثقافة مجتمعية متجذرة. فالتطوع ليس ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة حضارية، وركيزة من ركائز بناء الإنسان والمجتمع. وعندما يصبح العطاء أسلوب حياة، نكون قد وضعنا الأساس لمجتمع أكثر تماسكًا، وأعمق وعيًا، وأقدر على مواجهة التحديات بروح جماعية ومسؤولية مشتركة. د . عمر بن سليمان العجاجي