إحدى العمليات المعقّدة تعتمد على فهم دقيق للنفس البشرية، واستغلال نقاط الضعف العاطفية والعقلية لدى الآخرين دون وعيهم. إنها اتباع سلوك التلاعب النفسي، ولا يقوم المتلاعب بالسيطرة المباشرة؛ بل يعمل في الظل مستخدمًا أساليب ناعمة ومتدرجة، تجعل الآخرين يشعرون بأن القرارات التي اتخذوها نابعة منهم، بينما هي في الحقيقة موجهة بعناية و خطورة، وهذا النوع من التلاعب لا يُرى بسهولة، وغالبًا ما يُغلف بالاهتمام أو الحب أو الحرص الزائف. كما أن أولى أدوات التلاعب هي التشكيك الداخلي؛ حيث يوضع الفرد تحت ضغط التساؤل المستمر عن صحة مشاعره، أو أفكاره ويتم ذلك عبر التقليل من ردود فعله، أو وصفها بالمبالغة وإنكار أحداث حصلت فعلًا؛ ما يخلق فجوة بين الشخص وإحساسه الداخلي، ومع مرور الوقت يبدأ الفرد بالاعتماد على المتلاعب لتفسير الواقع له بدلًا من ثقته بنفسه،ة وهنا تبدأ السيطرة النفسية بالتشكل. وعلاوة على هذا تتمثل الأداة الثانية في اللعب على العواطف، خصوصًا بتحفيز مشاعر الذنب والخوف من الفقد، والمتلاعب قد يُظهر نفسه كضحية دائمة، أو يربط رضاه وسعادته بتصرفات الطرف الآخر؛ فيشعر الفرد أنه مسؤول عن مشاعر غيره، وهذا النوع من الضغط العاطفي يجعل الأفراد يقدمون تنازلات متكررة؛ ليس لأنهم مقتنعون، بل لأنهم يخشون الإيذاء العاطفي أو فقدان العلاقة. ومن أدوات التلاعب الشائعة أيضًا التذبذب بين القرب والبعد. حيث يمنح المتلاعب جرعات غير متوقعة من الاهتمام، ثم يسحبها فجأة؛ ما يخلق حالة من التعلّق والارتباك، وهذا الأسلوب يجعل الفرد في حالة ترقّب دائم، ويسعى لإرضاء الطرف الآخر، واستعادة القرب السابق دون أن يدرك أن هذا الانسحاب مقصود ومدروس لتعزيز التبعية النفسية. ومما يجب أن لا يخفى علينا، أن المتلاعبين النفسيين يعتمدون على كسر الحدود الشخصية تدريجيًا، وليس دفعة واحدة، ويبدأون بأشياء صغيرة تُبرر بسهولة، ثم يتوسعون ليشمل القرارات والمشاعر والهوية والوعي بهذه الآليات هو الخطوة الأولى للحماية؛ لأن ما يُفهم يُمكن مقاومته، وما يُسمّى باسمه يفقد جزءًا كبيرًا من قوته الخفية.