شهد سوق العمل خلال السنوات الأخيرة تحولًا متسارعًا مع توسع فرص العمل عن بعد، مدفوعًا بالتقدم التقني وتغير أنماط الحياة. هذا التحول أتاح شريحة واسعة من النساء، خصوصًا ربات المنازل، إمكانية الدخول إلى سوق العمل وتحقيق دخل مستقل دون مغادرة المنزل، في تجربة تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. مرونة تعيد تنظيم الحياة تقول مريم العتيبي، ربة منزل وأم لطفلين، إن العمل عن بعد منحها قدرة أكبر على إدارة وقتها، موضحة أنها قبل خوض التجربة كانت تشعر بأن وقتها يتوزع بين رعاية الأطفال والأعمال المنزلية دون مردود مادي. وتشير إلى أن العمل من المنزل مكّنها من تنظيم يومها بشكل أفضل، إلى جانب تحقيق دخل إضافي أسهم في تلبية احتياجات الأسرة. تنوع الفرص الوظيفية توضح شريفة الأسمري أن مجالات العمل عن بعد لم تعد محدودة، بل تشمل إدخال البيانات، التسويق الرقمي، تصميم الجرافيك، كتابة المحتوى، وتقديم الدروس التعليمية عبر الإنترنت. وتؤكد أن هذا التنوع أتاح للنساء اختيار أعمال تتناسب مع مهاراتهن وظروفهن الأسرية، دون التقيد بمكان أو ساعات عمل تقليدية. منظور مهني تشير خبيرة الموارد البشرية أمل الشمري إلى أن النساء غالبًا ما يبحثن عن وظائف مرنة تتيح لهن التحكم في أوقات العمل، معتبرة أن العمل عن بعد يمثل حلًا عمليًا لتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية. وتضيف أن هذه الوظائف تقلل من الضغوط النفسية الناتجة عن التنقل والالتزام بساعات عمل ثابتة، لافتة إلى أن متوسط الدخل في بعض هذه الوظائف يصل إلى نحو خمسة آلاف ريال شهريًا، بحسب طبيعة العمل وعدد ساعاته. غير أن الشمري تلفت إلى أن التجربة لا تخلو من التحديات، أبرزها صعوبة الفصل بين العمل والحياة الأسرية داخل المنزل، مما يتطلب وعيًا وتنظيمًا واضحًا للوقت. تمكين اجتماعي متدرج يوضح الباحث الاجتماعي عبدالله هاجد أن العمل عن بعد يمثل خطوة مهمة في مسار تمكين المرأة داخل المجتمع الحديث، إذ لا يقتصر أثره على الاستقلال المالي، بل يمتد إلى تعزيز الثقة بالنفس وتطوير المهارات المهنية. ويرى أن هذا التحول أسهم في تغيير النظرة التقليدية لدور المرأة، لتصبح شريكًا فاعلًا في الاقتصاد إلى جانب دورها الأسري. ويؤكد أن نجاح هذه التجربة يرتبط بدرجة كبيرة بوجود دعم أسري ووعي مشترك داخل المنزل، بحيث لا يتحول العمل من المنزل إلى مصدر ضغط دائم على المرأة. البعد النفسي يؤكد الأخصائي النفسي عبدالعزيز فلاح أن العمل عن بعد يمنح النساء ربات المنازل شعورًا بالإنجاز والسيطرة على مسار حياتهن، ويقلل من الإحساس بالفراغ أو الرتابة اليومية. ويشير إلى أن الانخراط في مهام مهنية يعزز الثقة بالنفس وينعكس إيجابًا على المزاج العام والعلاقات الأسرية. وفي المقابل، يحذر من مخاطر تداخل أوقات العمل مع الحياة الأسرية، لما قد يسببه ذلك من إرهاق ذهني وضغط نفسي، مشددًا على أهمية وضع جدول واضح يحدد أوقات العمل والراحة، إلى جانب تخصيص مساحات للأنشطة الترفيهية داخل المنزل. خيار إستراتيجي لا بديل مؤقت لم تعد وظائف العمل عن بعد مجرد حل مؤقت أو بديل محدود، بل تحوّلت إلى خيار إستراتيجي للنساء ربات المنازل الراغبات في الموازنة بين المسؤوليات الأسرية وتحقيق دخل مستقل. ومع توافر الدعم الأسري والتدريب المستمر، يمكن لهذا النمط من العمل أن يشكل أداة فعالة لتعزيز الاستقلالية الاقتصادية والنفسية للمرأة، بما ينعكس إيجابًا على الأسرة والمجتمع ككل. أبعاد اقتصادية أوسع يرى المحلل الاقتصادي شاكر عبد الكريم أن العمل عن بعد يمكن أن يشكل مصدر دخل مستقر للنساء، ويسهم في تقليل الاعتماد على دخل الزوج وحده، ما يعزز الاستقلال الاقتصادي للأسرة. ويؤكد أن هذا التوجه يفتح آفاقًا مالية جديدة، بخاصة مع توسع منصات العمل الحر العالمية التي تتيح للنساء الوصول إلى مشاريع خارج النطاق المحلي دون الحاجة لمغادرة المنزل. وتشير دراسات حديثة إلى أن العمل من المنزل قد يسهم في رفع مستوى الإنتاجية لدى النساء، نتيجة توفير بيئة عمل أكثر مرونة تتوافق مع احتياجاتهن الشخصية والأسرية. العمل عن بعد لربات المنازل • مرونة في الوقت والمكان • تنوع في الفرص الوظيفية • دخل داعم للاستقرار الأسري • تعزيز للثقة بالنفس والصحة النفسية • تحديات تتطلب تنظيمًا ودعمًا أسريًا