لم يعد القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية مجرد مساحة للهوية والتعبير الفني فقط، بل أصبح أحد المسارات الاقتصادية الواعدة التي تراهن عليها الدولة ضمن رؤية المملكة 2030. فمن خلال كيان تمويلي متخصص يعمل تحت مظلة صندوق التنمية الوطني ويتقاطع استراتيجيا مع وزارة الثقافة وهو "الصندوق الثقافي"، جرى الانتقال بالثقافة من نطاق الدعم الرمزي إلى منظومة استثمارية قادرة على خلق قيمة مضافة، وتنويع مصادر الدخل، وتحفيز الاقتصاد الإبداعي. وجاءت المشاركة السعودية في منتدى دافوس 2026 بسويسرا، عبر جناح Saudi House، لتؤكد هذا التحول النوعي، حيث سُلط الضوء على الثقافة بوصفها قطاعاً اقتصادياً ناشئاً، لا يقل أهمية عن القطاعات التقليدية، بل يتمتع بمرونة عالية وقدرة على النمو واستقطاب الاستثمارات طويلة الأجل. ويُعد دافوس منصة عالمية مؤثرة، تجمع قادة الدول وصنّاع السياسات ورؤساء الشركات الكبرى، مما منح التجربة الثقافية السعودية حضوراً اقتصادياً لافتاً في أحد أهم المحافل الدولية. ركزت المشاركة على إبراز المشهد الثقافي السعودي باعتباره بيئة خصبة للفرص الاستثمارية، سواء في الصناعات الإبداعية، أو في مجالات الأزياء، والسينما، والمحتوى، والفنون، وغيرها من القطاعات التي ترتبط بسلاسل قيمة اقتصادية واسعة. ولم يكن الطرح ثقافياً بحتاً، بل ارتكز على منطق اقتصادي واضح، يربط الإبداع بالوظائف، والمشاريع بالاستدامة، والثقافة بالعائد الاجتماعي والمالي. وشهد المنتدى لقاءات تواصلية مع قادة في الاقتصاد والاستثمار، نوقشت خلالها فرص الشراكة والتعاون، إضافة إلى جلسة حوارية بعنوان «الاستثمار في الثقافة كمحرك اقتصادي»، تناولت التحول الذي تشهده المملكة في بناء بيئة ممكنة للقطاع الثقافي، من حيث التمويل، والتنظيم، وتمكين رواد الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص في هذا المجال. كما تم إتاحة الفرصة لظهور مشاريع ثقافية مستفيدة من دعم الصندوق؛ جسدت أثر التمويل على النمو، ومنتجات ثقافية عبرت عن قدرة السوق السعودي على المنافسة، وتعكس تنامي الطلب المحلي والدولي على المحتوى الثقافي السعودي. من منظور اقتصادي أوسع، تعكس هذه المشاركة إدراك المملكة لأهمية الاقتصاد الإبداعي كأحد محركات النمو في المرحلة القادمة، خاصة في ظل التحولات العالمية التي باتت فيها الثقافة، والهوية، والمحتوى، عناصر رئيسة في جذب الاستثمارات وتعزيز القوة الناعمة للدول، فالثقافة اليوم لم تعد إنفاقاً، بل استثماراً طويل الأجل، يولد وظائف، ويدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويعزز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي. إن ما تحقق خلال الأعوام الأخيرة يؤكد نجاح النهج السعودي في دمج البعد الثقافي بالبعد الاقتصادي، وقد حدث ذلك حيث تمثل في نمو الدعم المالي الذي قدمه الصندوق الثقافي في عام 2025 بنسبة 93% عن العام الذي يسبقه، وتحقيق نمو أداء التمويل بنسبة 273% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، وتحويل الإبداع إلى نشاط منتج، قادر على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام. يقابل هذا الدعم المالي أثرًا تنمويًا على القطاع الثقافي، إذ توزع دعم الصندوق في 7 مناطق سعودية مختلفة، وشمل 11 قطاعًا ثقافيًا مختلفًا، ومن المتوقع أن يصل إسهام المشاريع المدعومة إلى أكثر من 4 مليارات ريال، وأن يصنع فرصًا توظيفية تتجاوز 12,500 فرصة وظيفية ستمثل زيادة في أعداد العاملين بالقطاع الثقافي السعودي، ويمثل الحضور في منتديات عالمية كدافوس شهادة دولية على نضج التجربة، وقدرتها على تقديم نموذج مختلف، يجعل من الثقافة رافداً اقتصادياً حقيقياً، يعكس عمق المملكة الحضاري، ويواكب طموحاتها التنموية.