يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة تحولات عميقة في طبيعة الصراع بين القوى الكبرى، تحولات لم تعد تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية، بل باتت تُقاس بقدرة الدول على بناء اقتصاد قوي، متماسك، وقادر على الصمود والتأثير. فالعالم اليوم ينتقل تدريجيًا من منطق «القوة الصلبة» إلى منطق «القوة الاقتصادية» باعتبارها الأداة الأهم في فرض النفوذ السياسي وصناعة القرار الدولي. قد يختلف البعض في قراءة مشهد الصراع الحالي، خصوصًا بين أقطاب العالم الكبرى مثل الولاياتالمتحدةالأمريكية وروسيا، حيث لا يزال التركيز لدى كثيرين منصبًا على سباق التسلح العسكري وإثبات التفوق العسكري المباشر. غير أن هذا الطرح، رغم أهميته، لم يعد كافيًا لتفسير ما يجري على أرض الواقع. فالتاريخ الحديث أثبت أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة الاستمرارية أو الهيمنة، ما لم يكن مدعومًا باقتصاد قوي قادر على تمويل هذا التفوق وحمايته واستثماره سياسيًا. في هذا السياق، أصبحت القوة الاقتصادية ساحة التنافس الحقيقية، وتشمل مجالات متعددة مثل الطاقة، والاستثمار، والتقنية، وسلاسل الإمداد، والقدرة على التأثير في الأسواق العالمية، إضافة إلى المرونة المالية في مواجهة الأزمات. ولم يعد الصراع مجرد مواجهة مباشرة، بل بات صراعًا طويل النفس، تُحسم نتائجه في غرف الاقتصاد قبل ميادين القتال. من هذا المنطلق، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج متقدم في إدراك طبيعة المرحلة ومتطلبات القوة الحديثة. فقد عملت المملكة خلال السنوات الأخيرة على إعادة صياغة دورها الاقتصادي إقليميًا ودوليًا، واضعةً الاقتصاد في صميم استراتيجيتها السياسية، بما ينعكس مباشرة على مكانتها ونفوذها وقدرتها على بناء تحالفات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة لا على التبعية. توافق الدول مع المملكة أو اختلافها معها لم يعد محكومًا فقط بالمواقف السياسية العابرة، بل أصبح مرتبطًا بشكل وثيق بمكانة المملكة الاقتصادية وثقلها في أسواق الطاقة والاستثمار والتأثير الإقليمي.