ارتفعت أسعار الذهب الأسبوع الماضي إلى مستوى قياسي جديد متجاوزةً 5600 دولار للأونصة، مع استمرار التوترات الاقتصادية والجيوسياسية التي تدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة. وقد حقق المعدن مكاسب تجاوزت 17 % هذا العام، مواصلاً بذلك الارتفاع القوي الذي شهده العام الماضي. وتوقع بنك غولدمان ساكس، ودويتشه بنك أن الذهب قد يصل إلى 6000 دولار بنهاية 2026، مع استمرار الضغوط النقدية والجيوسياسية، مع تحذيرات من تصحيح محتمل قصير الأجل بسبب الارتفاع السريع، لكن الاتجاه العام يبقى صاعداً. ويُعزى هذا الارتفاع المتواصل للذهب إلى مزيج من عوامل عدة، منها تزايد حالة عدم اليقين العالمية، وتوقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وعمليات الشراء المستمرة من قبل البنوك المركزية في إطار تحول أوسع نطاقاً نحو الابتعاد عن الدولار. وقد تصاعدت حدة التوتر في الأسواق خلال الأيام الأخيرة بعد تصريح الرئيس دونالد ترمب بأنه يعتزم فرض تعريفات جمركية جديدة على الواردات من كوريا الجنوبية، في حين عاد احتمال إغلاق جزئي للحكومة الأمريكية إلى الظهور قبل الموعد النهائي لتمويل الحكومة في 30 يناير. في أعقاب الارتفاع القوي لأسعار الذهب إلى مستويات قياسية، قال جون ماكلوسكي، الرئيس التنفيذي لشركة التعدين الكندية ألاموس غولد (المدرجة في بورصة نيويورك)، لموقع انفيستنق دوت كوم، في مناقشة العوامل المؤثرة على الأسعار وتوقعاته لما تبقى من العام: "يحظى سعر الذهب حاليًا بدعم قوي من عمليات الشراء المكثفة التي تقوم بها البنوك المركزية في ست دول على الأقل، بما في ذلك الصين وروسيا والدول التي تربطها بها علاقات تجارية". وأضاف: "أدى هذا الطلب الهيكلي إلى ارتفاع سعر الذهب على مدى السنوات العشر الماضية، ليصل إلى مستوى قياسي جديد يتجاوز 5000 دولار هذا الأسبوع. وقد بدأ هذا بدوره في جذب شريحة كبيرة من المستثمرين الأفراد. وأشار مديرو الصناديق إلى أنهم يشهدون تدفقات قياسية إلى صناديقهم الاستثمارية في الذهب، مما يُسهم في دعم سعر الذهب وأسعار أسهم شركات الذهب." وقال: أعتقد أن الطلب الهيكلي يعكس في الغالب سعر الذهب الحالي، ولكنه ساهم بشكل كبير في زخم المستثمرين الأفراد. وحول اعتماد توقعات الذهب على المزيد من تخفيضات أسعار الفائدة الأمريكية، قال ماكلوسكي: "مع أن تخفيضات أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد تكون عاملاً مساهماً، إلا أنني لا أعتقد أن توقعات الذهب تعتمد على المزيد من التخفيضات، إذ إن سعر الذهب مدعوم بقوة، وما زال، بعمليات شراء البنوك المركزية. وقد استمر هذا الارتفاع لحوالي عشر سنوات، وما زلت أعتقد أن أمامنا مجالاً لمزيد من الارتفاع سواءً مع تخفيضات أسعار الفائدة أو بدونها". وحول مدى تأثير أي انخفاض محتمل في المخاطر الجيوسياسية العالمية لإحداث انخفاض ملحوظ في أسعار الذهب، قال ماكلوسكي: "قد يكون لانخفاض حدة التوتر تأثير على سعر الذهب، ولكن هناك العديد من العوامل الإيجابية الأخرى التي تؤثر على السوق، ولا أتوقع أن تنتهي هذه الاتجاهات قريباً". مضيفاً: "أعتقد أن سعر الذهب سيواصل ارتفاعه. ولا يقتصر هذا التوقع على رؤساء شركات تعدين الذهب فحسب، بل يشمل أيضاً رؤساء البنوك الكبرى. وتظل العوامل الأساسية التي تدعم سعر الذهب راسخة، والمحللون على أهبة الاستعداد لسوق صاعدة للذهب لفترة قادمة. ومع دخول المستثمرين الأفراد إلى السوق مؤخراً، قد نرى أسعار الذهب تحوم حول مستوى 5000 دولار الذي نشهده حالياً، بل وقد تقترب من توقعات المحللين التي تتراوح بين 5400 و6000 دولار بنهاية العام. على الرغم من المستويات القياسية التي سجلتها المعادن النفيسة والصناعية الأسبوع الماضي، تراجعت أسعارها يوم الجمعة، حيث انخفض سعر الذهب والفضة والنحاس مع لجوء بعض المستثمرين إلى جني الأرباح. وجاء هذا التراجع مع انحسار التوقعات بخفض حاد في أسعار الفائدة الأمريكية، وارتفاع قيمة الدولار. وفي تحليل الأسواق عن أحمد عسيري استراتيجي الأبحاث في بيبرستون: إذا نظرنا إلى حركة الذهب خلال الفترة الأخيرة، سنجد أنها أكثر من استجابة محفز أو حدث بعينه، بل تعكس إعادة تقييم سوقي أوسع لكيفية أداء للأصول المختلفة. المشهد الجيوسياسي هو الأكثر دلالة في الآونة الأخيرة حيث إن التوترات المرتبطة بغرينلاند لا تتعلق بالأراضي بقدر ما تتعلق بالنفوذ الاستراتيجي والوصول طويل الأمد حتى ولو على حساب الحلفاء. وأيضا هناك تحرك للتنويع من الاعتماد الأميركي وهو ما انعكس في اتفاق التجارة الجديد بين الاتحاد الأوروبي والهند، إلى جانب إعادة فتح قنوات الحوار الاقتصادي بين بريطانياوالصين، وهذا التوجه متزايد لدى القوى الوسطى لتنويع علاقاتها وتقليل الاعتماد على مركز سياسي واحد يعتقد أنه تجاوز الحدود المتعارف عليها حديثاً. تراجع الانسجام العالمي وهذا السياق مهم للذهب لأنه تاريخياً يستفيد من تراجع الانسجام العالمي فعندما تبدأ التحالفات التجارية والأولويات السياسية في التغير، يبحث رأس المال عن أصول تقع خارج المنظومة السياسية نفسها. هنا يكون الذهب في الواجهة كملاذ بدافع الخوف، وكأداة تحوط في عالم أقل قابلية للتنبؤ وأكثر انقسام وإذا كنت سريع التصرف فهو أداء استثمارية تفوقت على الأصول الأخرى مؤخراً. ويعزز عامل العملة هذه الصورة، فالدولار الأمريكي يتداول قرب أدنى مستوياته منذ سنوات، عند مستويات شوهدت آخر مرة في مطلع عام 2022. هذه الحركة لا يمكن اختزالها في فروق أسعار الفائدة بل أيضاً تعكس مسألة ثقة أعمق في تحركات الإدارة الأمريكية. العجوزات المالية الكبيرة، وارتفاع كلفة خدمة الدين، وتقبل سياسي لفكرة ضعف العملة وفق التعليقات الاخيرة، كلها غذّت سردية تآكل القيمة. وعندما تبدأ قدسية الدولار بالتراجع في نظر الأسواق، يصبح الذهب بديل طبيعي كنقطة ارتكاز نقدية. من ناحية الأداء السعري، كانت الرسالة واضحة فالذهب حقق مكاسب تجاوزت 20 % منذ بداية الشهر، في أقوى أداء شهري له منذ عقود. تحركات بهذا الحجم نادراً ما تحدث وبالتأكيد ليست نتيجة مضاربة قصيرة الأجل، بل تشير إلى إعادة تموضع حقيقية لرأس المال. بهذا المعنى، يمكن اعتبار صعود الذهب تعبيراً صريحاً عن عدم ارتياح الأسواق للسياسات الأمريكية الحالية، التي تبدو وكأنها غير محسوبة بشكل جيد مؤخراً، سواء على صعيد المالية العامة أو التجارة أو الدور العالمي. وبالنظر إلى المرحلة المقبلة، من غير الواقع توقع مسار صاعد دون توقف وذلك يحفز أخذ الأرباح والبقاء جانباً. ولكن بعد موجة بهذه القوة، من الطبيعي رؤية فترات تهدئة أو تصحيحات سعرية ومن الأرجح أن لا تكون عميقة. وحول أسعار الفضة، توقع بنك سيتي استهداف سعر الفضة 150 دولارًا للأونصة خلال ثلاثة أشهر، في امتداد لموجة صعود تاريخية دفعت المعدن إلى الارتفاع بنحو 50 % خلال يناير. ويرى محللو البنك، ومن بينهم ماكس لايتون، أن زخم الشراء القوي في الصين سيستمر، مشيرين إلى أن الوصول إلى مستويات سعرية أعلى سيكون ضروريًا لتحفيز حائزي الفضة الحاليين على التخلي عنها. وكتب المحللون في مذكرة: "تتحرك الفضة وكأنها ذهب مضروب في اثنين أو ذهب بقوة مضاعفة". وأضافوا: نعتقد أن هذا المسار مرجح أن يستمر إلى أن تبدو الفضة مغالى في سعرها وفق المعايير التاريخية، مقارنةً بالذهب. سجّل سعر الفضة مستوى قياسيًا جديدًا عند 117.71 دولار الإثنين الماضي، بعد أن قفز بما يصل إلى 14%، في أكبر صعود يومي له منذ الأزمة المالية العالمية في 2008. وجاء هذا الارتفاع مدعومًا بطلب فعلي قوي واهتمام مضاربي في سوق منخفضة السيولة نسبيًا، مع مؤشرات على أن المشترين في الصين يقودون هذه الموجة. وقال محللو سيتي بانك "إنه إذا عادت نسبة سعر الذهب إلى الفضة إلى أدنى مستوياتها في 2011 عند 32 إلى 1، فإن ذلك يشير إلى احتمال تداول الفضة عند مستويات تصل إلى 170 دولارًا للأونصة. وأضاف البنك أن مكاسب الأسعار تحققت رغم عدد من العوامل السلبية، من بينها خروج تدفقات من الصناديق المتداولة المدعومة بالفضة، وقيام مضاربين بالبيع في أسواق العقود الآجلة، وتراجع المخزونات في المستودعات الأمريكية، ما يعزّز توافر المعدن في أماكن أخرى. وانطلاقًا من تحليل بنك نيويورك، الذي يؤكد أن ضعف الدولار يعيد تشكيل تحركات القطاعات، أعتقد أن هذه الرؤية تعكس واقعًا متقدمًا لم يعد المستثمرون قادرين على تجاهله. فالدولار لم يعد مجرد أداة تسعير أو ملاذ آمن، بل أصبح قناة مباشرة لنقل الصدمات الاقتصادية والفرص الاستثمارية في آن واحد. ومع عودة تقلبات الدولار إلى صدارة اهتمامات المستثمرين، تتعزز حلقة تغذية راجعة تؤثر على التحوط، وعلى إعادة توزيع رؤوس الأموال بين القطاعات، وهو ما ينعكس مباشرة على أداء ستاندرد آند بورز 500. يوفر ضعف الدولار الأمريكي دعمًا هيكليًا للقطاعات ذات الانكشاف الدولي العالي، وعلى رأسها التكنولوجيا، والخدمات الرقمية، والاتصالات، والرعاية الصحية العالمية. هذه القطاعات تستفيد ليس فقط من تحسن القدرة التنافسية العالمية، بل أيضًا من إعادة تقييم أرباحها المستقبلية عند تحويل الإيرادات الخارجية إلى الدولار. ولذلك أتوقع أن يستمر التفوق النسبي لهذه القطاعات داخل المؤشر، حتى في ظل تباطؤ اقتصادي محتمل، طالما استمر الدولار في مساره الضعيف أو المتذبذب. وعلى مستوى تدفقات رأس المال، أعتقد أن ضعف الدولار يفتح الباب أمام تحولات استراتيجية في تخصيص الأصول. والمستثمرون العالميون يعيدون تقييم جاذبية الأسهم الأمريكية مقارنة بالأسواق الأخرى، وسيظل ستاندرد آند بورز 500 وجهة مفضلة، ولكن ليس بنفس المنطق السابق. فالجاذبية اليوم لم تعد قائمة فقط على قوة الاقتصاد الأمريكي، بل على مرونة قطاعاته وقدرتها على التكيف مع بيئة عملة أقل قوة وتضخم أكثر تعقيدًا. هذا يعني أن الانتقائية ستصبح العامل الحاسم، وليس الاستثمار الواسع في المؤشر ككل.