منذ طفولتنا، ونحن نعشق الحكايات. لم تكن الحكايات مجرد أطروحات عادية؛ بل كانت للعبر والدروس، حتى كان أهالي القرى والمحافظات الصغيرة يجتمعون للسمر حول الحكواتي في مقهى القرية؛ حيث يقص عليهم كل ليلة حكاية (كان ياما كان) فيما يشبه الأفلام الوثائقية أو المذكرات الشخصية لأشخاص مؤثرين وبارزين، وممن لهم دور في حياة المجتمعات والدول، وقد تكون أحياناً خيالية، لكن غالباً ماتكون روايات حقيقية حدثت، وكثير من البيوت قبل عصر التقنية؛ كان لكبير العائلة جلسة مسائية تعتمد على رواية القصص ومذكرات أشخاص كانوا، أو مازالوا لكنهم صنعوا أثراً يستحق الذكر، أو كفاحاً انتهى لنجاح وتحقيق أهداف!! اليوم لم يعد للقاص- للأسف- وجود مع انفجار التقنية، لكن تبقى الكتابة والتدوين تتصدر المشهد الثقافي والاجتماعي والتعليمي مهما حاول المنادون باستبدالها، وبالفعل بعض الناس رحلتهم مع الزمن وما عاشوه ومروا به في حياتهم الخاصة والعلمية والعملية فيه من الدروس والخبرات والمواقف التي تجاوزوها بنجاح، وما يعتبر مدرسة للأجيال حق لهم أن يستفيدوا منها، ويطلعوا عليها! أنا ممن يعشقون قراءة المذكرات ومشاهدة الأفلام الوثائقية، وأحرص كثيراً على اقتناء كتب السير الذاتية للناجحين والعصاميين والمكافحين؛ من أجل حياة أفضل ومجتمع أسعد!! واعتقد ليس هناك من يقرر كتابة رحلته مع الحياة إلا وهو يثق أن فيها ما يستحق أن يُقرأ!! وحقاً كل المذكرات التي قرأتها كان فيها كثيراً مما يستحق التوقف والتفكير إلى جانب ما فيها من فوائد ومتعة، وآخر مذكرات سعدت بقراءتها كانت مذكرات الدكتورفهاد الحمد، في كتاب معنون ب (خلاصة الأيام) هي خلاصة نشأته وحياته من مولده حتى ترجله عن صهوة جواد الحياة العملية عام 1436 للهجرة، وقد بدأ معلماً للتربية الفنية، وتدرج في العديد من المناصب، وكان آخر منصب تقلده؛ وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات. بعد أن فرغت من قراءة خلاصة الأيام" المذكرات" التي توقفت عند كل فصل من فصولها لروعة السرد، وتسلسل الأعوام بأحداثها وأشخاصها، حتى وكأني رأيت في شخص الوزير والإداري ذي الحنكة والريادة كاتباً متمكناً، أجاد- بحق- تشخيص الأحداث وتصوير الأيام، بدءاً من زمن الكفاح الذي كان فيه الطفل الصغير شاباً يافعاً، والشاب مسناً حكيماً !! في خلاصة الأيام رواية مجتمع مترابط بعلاقات عائلية دافئة؛ رغم الجفاف بين والدين؛ أب مكافح مجتهد يعشق الأرض ونبتها، وأم مجتهدة بما تستطيعه لتوفر حياة هانئة، تقاس بتلك الأيام، وطفل عاشق للدراسة والتفوق. من العبارات الجميلة المعبرة في الخلاصة ( لقد كانت أياماً عذبة على ما فيها من مرارة، فوجود الوالدين؛ وبراءة الطفولة؛ وتكاتف المجتمع؛ ودفء العلاقات بين الأهل والأقارب والجيران؛ خففت كثيراً من مصاعب العيش، والانعدام شبه التام لأي رفاهية أو ترفيه، كما هو متاح هذه الأيام- ولله الحمد، ورغم ذلك العيش الضيق، خرج للمجتمع من تلك الحقبة رجال كانوا نماذج مشرفة؛ أمثال الدكتورفهاد بن معتاد الحمد، الذي كان له صولات وجولات في مجلس الشورى، وكذلك في معهد الإدارة العامة، مما يستحق التوقف والنهل منه دروساً لأجيال شابة تحتاج مثل هذه الخبرات. كتاب" خلاصة الأيام" وغيره مما يشبهه بالذات للقامات السعودية التي خدمت، وحققت أدواراً بارزة على أي مستوى حكومي أو خاص؛ فقصصهم مع الحياة تستحق أن تكون في مكتبات المدارس والجامعات. حقيقة كتاب" خلاصة الأيام" حوى حياة كاملة ومشوارًا عظيمًا، بأسلوب ممتع جذاب حتى نهايته. شكراً للدكتور فهاد على هذا الإنتاج القيم، ولكل من أتحفنا بمذكراته وحياته الثمينة بتجاربها وخبراتها، ودروس تستحق التأمل ودمتم. (اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً وزدنا بها عشقاً وفخراً).