لم يعد العمل التطوعي في وطننا نشاطًا جانبيًا أو ممارسة على الهامش، بل تحول إلى قيمة حضارية راسخة تُلامس الإنسان في جوهره، وتنعكس آثارها على بيته ومجتمعه ووطنه بأكمله. ويأتي اليوم العالمي للتطوع الذي صادف الخامس من شهر ديسمبر الجاري ليؤكد هذه الحقيقة، ويُذكّر بدور المتطوعين في صناعة الأثر وبناء عالم أكثر إنسانية. ومن واقع خبرتي وقربي من الجوانب التي أتشرف برئاستها والإشراف عليها، تتجلى أمامي بشكل يومي أهمية التطوع كقوة فاعلة تصنع الفرق، ليس فقط في حجم العمل المنجز، بل في جودة الروح التي تُنجزه، وفي الأثر العميق الذي يتركه في المتطوع والمستفيد والجهة على حد سواء. فالتطوع حين يُدار باحترافية، يتحول إلى طاقة وطنية متجددة، تُحقق إنجازات لا تستطيع المؤسسات الوصول إليها دون هذا الحضور الإنساني النبيل. إن المتطوع، حين يهب وقته وجهده دون انتظار مقابل، فإنما يصنع في داخله إنسانًا جديدًا، أكثر وعيًا وانتماءً وقدرة على التواصل والعطاء. وهو لا يقدم خدمة فحسب، بل يفتح لنفسه طريقًا للنضج، ويغرس في روحه قيماً تبقى معه ما بقي، كالإحسان، والمسؤولية، وروح المبادرة، والقدرة على العمل الجماعي. ومن خلال عملي المباشر، أرى كيف يتحول التطوع إلى مدرسة تُعلّم الانضباط وتُنمّي المهارات، وتبني شخصيات قادرة على فهم احتياجات المجتمع والتفاعل معها. ومجتمعاتنا التي تعلو فيها قيمة التطوع، هي الأكثر تماسُكًا واستقرارًا ووعيًا، فهي مجتمعات تُحسن قراءة احتياجاتها، وتفهم آلامها، وتعمل بروح الفريق الواحد على تجاوز تحدياتها. وفي وطننا اليوم، أصبحت ثقافة التطوع أكثر رسوخًا من أي وقت مضى، حتى غدت من ركائز التنمية ووسائل الارتقاء بالمجتمع. وحين يتحول التطوع إلى قوة تنموية، فإن أثره يتجاوز الأفراد إلى المؤسسات، ومنها إلى الوطن بأسره. فهو يُخفف العبء على الجهات، ويوسّع حجم المشاركة في المبادرات، ويتيح الوصول إلى شرائح أكبر، ويرفع جودة الخدمات، ويدعم قطاعات حساسة مثل الصحة والتعليم والمجتمع والبيئة، ومن خلال التجربة العملية، أرى كيف يسهم التطوع في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة (2030) التي جعلت العمل التطوعي ركيزة مهمة لبناء مجتمع فعّال ومتكافل. ورغم هذا الوهج الكبير، إلا أن العمل التطوعي ما يزال بحاجة إلى تفعيل أوسع، واستثمار أدق للطاقات، حتى نتمكن من بناء منظومة احترافية تستوعب المتطوعين، وتستفيد من مهاراتهم، وتوجه جهودهم نحو المساحات التي تصنع الأثر الحقيقي. وما نلمسه في الميدان يؤكد أن التحدي لا يكمن في نقص المتطوعين، بل في كيفية إدارة جهودهم وتمكينهم وتدريبهم وتقديرهم. وهنا تبرز مسؤوليتنا في منح المتطوعين الفرصة الأكبر، والمساحة الأوسع، والتقدير الذي يستحقونه. فالتمكين ليس مجرد إتاحة فرصة، بل هو بيئة تُبنى، وتنظيم يُحكم، وثقة تُمنح، ودعم يُقدم، واحتفاء يُعزز استمرارهم، والتقدير المعنوي، كما أرى عن قرب هو أحد أهم محركات العطاء، والقادر على جعل المتطوع يستمر ويبدع ويُقدّم أكثر مما يُطلب منه. إن المستقبل الذي نتطلع إليه هو مستقبل تُدار فيه المبادرات التطوعية بكفاءة واحتراف، ويكون فيه المتطوع جزءًا أصيلًا من منظومة التنمية. فالتطوع ليس وقتًا يُمنح، بل هو قيمة تُغرس، ورسالة تُحمل، وأثر يُصنع في قلوب الناس ووطن بأكمله. وبقدر ما نُعزز العمل التطوعي، ونمنح المتطوعين المساحة التي يستحقونها، بقدر ما نبني مجتمعًا أقوى، ووطنًا أكثر وعيًا وقدرة، ومستقبلًا يليق بطموحاتنا، فاليد التي تُقدّم العطاء هي اليد التي تُصنع بها النهضة، ويُكتب بها مستقبل وطن يؤمن بأن الإنسان هو جوهر التنمية، وبأن التطوع هو إحدى بوابات الارتقاء الكبرى نحو غد أفضل..