بين الذاكرة والنسيان، نقع في مأزقٍ كبير، وفي الحقيقة لم نعد نعرف أيهما أصح وأيهما الذي يجدر بنا إتباعه، لا نعرف هل نحن بحاجه إلى ذاكرة متيقظة تحجب عنَّا ما قد يتكرر من أحداث، أم أننا بحاجة إلى النسيان لنتجاوز الكثير من الحكايات والعديد من الخيبات، هل نرهق أنفسنا بعبء الذاكرة أم نلومها بآفة النسيان؟ هل سنتمكن من الاحتفاظ بذاكرة انتقائية أم أنها ستكون مزدوجة؟ لو اتجهنا للجانب العلمي نجد أن علماء الأنثربولوجيا يرون أن الذاكرة والنسيان تشكل الذات الإنسانية، وأن كلاهما يساهمان في تكوين الهوية الجمعية والممارسات الثقافية، وأن التذكر غالبًا يشكل للناس طريقة إدراكهم لبيئاتهم، بمعنى ضرورة وجود كلًا منهما بغض النظر عن الجوانب الإيجابية أو السلبية، لأن تأثيرهما يعتمد على نوعية الأفراد والوعي الجمعي، حين كتب نجيب محفوظ عبارته الشهيرة (آفة حارتنا النسيان) في روايته (أولاد حارتنا)، كان يعي بضرورة تلك الذاكرة المتيقظة، وكان يحذر من طمسها، تلك العبارة لم تكن عادية بل كانت تحمل مفهوم عميق لخيبة المجتمعات التي أصابها النسيان، وترسل إشارة إلى أهمية الوعي بأزمات الماضي حتى لا تتكرر الأخطاء، ربما نحتاجها للذاكرة الجمعية، حتى لا نتآلف مع المواقف السلبية، ويفقد مجتمع كامل قدرته على المقاومة والإدراك لأنه نسي الأزمات، وذلك ما جعل النسيان آفة في رواية (أولاد حارتنا)، أما على نطاق الفرد فربما يبدو النسيان ضروريًا في الكثير من الأوقات، وإن كان التذكر يشكل حاجز مناعي، ولكن البقاء في قيد الماضي والمواقف مرهق جدًا، معادلة صعبة يحتدم فيها الصراع بين النسيان والذاكرة واللذين يمثلان وجهان مختلفان لعملة واحدة، نحن نحتاج إلى التحرر من الذاكرة الهشة، ومقاومة الأحداث القديمة ولكن النسيان التام حتمًا يساعد في إنتاج الأخطاء مجددًا، ويفقدنا الاتجاهات، ويعيد تكرار الحكايات، فذاكرة بلا وعي تتحوّل إلى عبء، ونسيان بلا إدراك يصير آفة تتكاثر معها العثرات، ربما نحتاج التذكر ليكون شاهدًا لا سجنًا، ودرسًا لا جرحًا مفتوحًا، بل فعلًا واعيًا يحمي الحاضر من تواتر الخيبات، ويفتح للمستقبل إمكانية أكثر نضجًا وسلامًا.