اختار أن يمتطي صهوة البحر ليكون سفير أدب جزيرته على البر المقابل دون أن يغيب عن جزيرته أو يهجرها، وظل يتنقل بين الساحلين، فالجغرافيا تٌعنى باتصال الثقافة ووحدتها حتى وإن كانت هي ذاتها –أي الجغرافيا- سبب الانفصال المكاني. جزيرة فرسان وأنا أراها جمع فارس، وأحد فرسانها هو الأديب الكبير إبراهيم مفتاح؛ الفارس الذي امتشق القلم سيفا في يد أديب أحسن ملاعبته، وإمضائه في جسد الأدب بما لا يقطع أو يجرح، وإنما بما يليق بالاصطفاف في صف أدب سعودي أصيل ومتطور؛ جمع بين فنون وثقافة بر، وبحر، وجبل، وسهل، وجزر. بادية وحاضرة وريف وأرض تفترش البحر لتشكل (بعد رابع) لا يصطف إلى جوار الحواضر، ولا يتحيز لريف ولا بادية، شكل له طابعه ورونقه وثقافته التي ترقب البحر من كل الجهات، ولا يُفهم البحر بكينونته وطبعه كما هو إلا من خلالها. إنها (ثقافة الجزر) التي تمضي على لسان أهلها الذين يكتبون بأقلام فؤادهم ومداد حبر بحرهم الذي يهبهم الكلام كما يمنحهم الصمت تأملا والغناء لغة. ثقافة الجزر شكل له نكهة الوجود الحي المغروس في قلب البحر في مشهد معاكس لواحة مغروسة في قلب صحراء. هدوء وحياة وادعة، ومشقية أحيانا بين فكي بحر لا يطبق عليها ولا يطيق منها فكاكا، فهو الملهم لها وهي الملهمة له. فرسان تلك الجوهرة السعودية في قلب البحر وجدناها في أعلى وأغلى مستويات بريقها بين كتابات فارسها العم الأديب إبراهيم مفتاح. العم لأننا أعتدنا في ثقافتنا السعودية أن نقول لكبير السن ورفيع القدر كلمة عم، وهو جدير بها وأهلا لها، فمن زار فرسان وجد روحها النابضة في متحف العم إبراهيم مفتاح وبين أسطر أدبه نثرا وشعرا، ولمس طيبة أهلها وكرم وفادتهم من خلال احتفائه واستقباله، وقد سمعت ممن زار فرسان، وكان آخرهم إحدى الباحثات المتمكنات في ميدان الثقافة، وكيف أن الاستقبال كان استقبال الكبار للكبار. هذه الباحثة وجدت عند العم إبراهيم كل ما يبحث عنه الباحث الأكاديمي والمثقف الهاوي من معلومة عن تاريخ الفن البحري وآدابه المختلفة وتحولاته المتعاقبة، وهي من بيئة ليست غريبة عن البحر ولا ما يعنيه البحر لأهله المتلحفين به أو المتكئين على كتفه، ووجدت أن من يحيطه البحر من كل الجهات هو من يقترب أكثر من أسراره وفنونه كلمة أو حركة ترتبط بمورث فن أدائي بحري. فرسان جزيرة سعودية لم أزرها إلا من خلال كتابات العم إبراهيم وبعض المقاطع المشاهدة له ولغيره، ومن خلال ما نقلته الزميلة الباحثة المتمكنة والعاشقة للبحر وفنونه، وقبل هذا كان للفضول بواكره حين كنت عضوا في لجنة السرد والعروض المرئية في نادي الرياض الأدبي عندما كنا نستمع لمن يتحدث عن تلك الجزيرة العزيزة إنسان ومكان من أبناء منطقة جيزان، وممن زارها من الأدباء من خلال الانتقال بالعبارات المعدة والمجهزة للانتقال إليها ومشاهدة جزء عزيز من أجزاء وطننا العظيم الذي اتحد وتوحد مصيره، وتشابك نسيجه الثقافي برا وبحرا وسهلا وجبلا وجزرا. مملكتنا غنية بموروثها وتراثها الثقافي بمختلف أشكاله مادي وغير مادي، والفنون البحرية فن اشتغلت على تتبعه باحثة أطلعتني على بعض منه، فوجدته أكثر تنوعا مما تصورت، ووجدت أن له خزائن في وجدان وذاكرة الوطن تجسدت في شخصيات ثقافية وطنية أغرمت به ودونته وعلُقت به حبا، وشغفت به هواية وهوية.