في لحظة ثقافية يطغى فيها الخطاب الإداري المستورد، وتُستدعى فيها النظريات الجاهزة لتفسير سلوك السوق وإدارة القرار، يبرز كتاب "حِكَم وأمثال في التجارة والأعمال" لكاتبه الأستاذ / محمد بن أحمد الذييب(أبونايف) بوصفه محاولة واعية لإعادة الاعتبار لمصدر معرفي أصيل ظلّ حاضرًا في حياة الناس قرونًا طويلة وهو: الحكمة الشعبية. فالكتاب لا يقدّم الأمثال بوصفها أقوالًا مأثورة للتزيين أو الاستشهاد العابر، بل يتعامل معها كخلاصة تجارب إنسانية واقعية، صيغت بلغة موجزة، واختُبرت عبر الزمن، وأثبتت قدرتها على توجيه السلوك، لا سيما في مجالات التجارة والأعمال. وينطلق المؤلف من رؤية ثقافية واضحة ترى في المثل والحكمة نصًّا اجتماعيًا مكثّفًا، يختزل خبرات الفرد والجماعة، ويعكس منظومة قيم تشكّلت في سياقات اقتصادية واجتماعية حقيقية. ومن هنا تتبدّى أهمية الكتاب؛ إذ ينجح في نقل المثل من فضائه الشفهي إلى حيّز التحليل والتأمل، رابطًا بين القول الشعبي وإدارة المخاطر، وبين الحكمة الموروثة واتخاذ القرار، وبين الذاكرة الجمعية ومتطلبات السوق المعاصر. يعتمد الكتاب منهجًا وصفيًا تحليليًا يقوم على جمع الأمثال، ثم شرحها، وتفكيك دلالاتها، وربطها بسلوكيات عملية في التجارة وإدارة الأعمال. كما يقدّم المؤلف تمييزًا علميًا دقيقًا بين الحِكمة بوصفها نتاج تجربة فردية واعية، والمَثَل باعتباره خلاصة تجربة جمعية مجهولة المصدر، مع إبراز أوجه الالتقاء بينهما في الوظيفة الإرشادية والتربوية. وهذا التفريق لا يُطرح بوصفه تمرينًا نظريًا، بل يأتي لخدمة فهم أعمق لدور الأمثال في توجيه السلوك الاقتصادي والاجتماعي. ومن اللافت في الكتاب انفتاحه على الأمثال المترجمة، في إشارة ذكية إلى عالمية التجربة الإنسانية، وتشابه القيم المرتبطة بالعمل والتجارة بين الشعوب، مهما اختلفت اللغات والبيئات. وهو ما يعزّز فكرة أن الحكمة، حين تتصل بالخبرة الإنسانية، تتجاوز الجغرافيا وتحتفظ براهنيتها. أسلوبيًا، جاء الكتاب بلغة عربية رصينة تتسم بالوضوح والإيجاز، بعيدة عن التعقيد الأكاديمي، وقريبة من روح المقال الثقافي التحليلي. وهذا ما يجعله قابلًا للقراءة من قِبل شرائح متعددة: الباحث في التراث، والممارس في قطاع الأعمال، والقارئ العام الباحث عن معنى أعمق خلف الأقوال المتداولة. وتتجلّى القيمة المضافة للكتاب في استعادته للبعد الأخلاقي في النشاط الاقتصادي؛ إذ يذكّر بأن التجارة ليست أرقامًا مجرّدة، بل ممارسة إنسانية تحكمها قيم الصبر، وحسن التقدير، والتدرّج، وتجنّب التسرّع، واحترام التجربة. وفي هذا السياق، يبدو الكتاب كأنه يقدّم "ضميرًا ثقافيًا" للأعمال، يعيد التوازن بين الربح والحكمة، وبين النجاح والاستقامة. ولا يمكن قراءة هذا العمل بمعزل عن سيرة مؤلفه؛ فالأستاذ محمد بن أحمد الذييب ليس باحثًا نظريًا فحسب، بل هو رجل أعمال سعودي مخضرم، يشغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة ذيب لتأجير السيارات، إحدى أبرز الشركات الوطنية في قطاع تأجير السيارات والخدمات اللوجستية. وقد راكم خلال مسيرته العملية خبرة طويلة في عالم التجارة والإدارة، ما أضفى على الكتاب بعدًا تطبيقيًا واضحًا، وجعل اختياره للأمثال والحِكم نابعًا من معايشة فعلية للسوق، لا من قراءة معزولة عن الواقع. من هنا، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه جسرًا معرفيًا بين التجربة العملية والذاكرة الثقافية، وبين عالم الأعمال الحديث والحكمة المتوارثة. وهو في مجمله مشروع ثقافي جاد يسعى إلى تأكيد أن التراث الشعبي، إذا أُحسن قراءته، لا يزال قادرًا على إضاءة طرق العمل، وبناء وعي اقتصادي متزن، يستند إلى الخبرة والقيمة معًا. "الكتاب يستحق الاقتناء".