أبو نُوَاسٍ الحسَنُ بن هانئ، وُلِد سنة (145ه)، وتُوفي ببغداد سنة (198ه)، وهو شاعر عباسي، ومن الشعراء المولّدين والمجدّدين. وقد ترجم له جملة من العلماء، منهم مثلاً: الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذهبي (748ه) في كتابه المعروف (سير أعلام النبلاء)، حيث قال عنه: «رئيس الشعراء، أبو علي الحسن بن هانئ الحكمي، وقيل: ابن وهب. ولد بالأهواز، ونشأ بالبصرة، وسمع من حماد بن سلمة، وطائفة، وتلا على يعقوب، وأخذ اللغة عن أبي زيد الأنصاري وغيره. ومدح الخلفاء، والوزراء، ونَظْمُه في الذروة، حتى لقال فيه أبو عبيدة شيخه: أبو نواس للمحدثين، كامرئ القيس للمتقدمين. قيل: لُقّب بهذا؛ لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقيه، أي: تضطرب .. ولأبي نواس أخبار وأشعار رائقة.. ويقال: ما رؤي أحفظ من أبي نواس مع قلة كتبه. وشعره عشرة أنواع، وقد برز في العشرة. اعتنى الصولي وغيره بجمع ديوانه؛ فلذلك يختلف ديوانه». وقد عُرِف أبو نواس بغزليّاته، وخمريّاته، وطردياته، وفي زهدياته أيضاً، غير أن كثيراً من المهتمين لم يتفطّنوا إلى (عطرياته)، وأعني بها قصائده التي تفوح بالروائح العطرية، إذ يطفح ديوانه بكثير من الأشعار التي تعبق بها روائح العطر، وقد طالعتُ ديوانه أكثر من مرة، فوجدته مليئاً بتلك الأوصاف العطرية، وهي أوصاف تتراوح بين قصيدة كاملة، أو مقطوعة يسيرة، أو بضعة أبيات من قصيدة، أو بيت واحد في قصيدة، ولقد تفاوتت الروائح العطرية في ديوانه بين: الورد، والمسك، والعنبر، والريحان، والنرجس، والنسرين، والياسمين، والجلّنار، والزعفران، والعوسج، والشيح، والقيصوم، والسَيْسَنبر (ريحانة عطرية تُعرف بالنمّام)، وغيرها. ومن جميل قوله في أشعاره العطرية: «لَها من ذكيّ المسكِ ريحٌ ذكيّةٌ ... ومن طِيبِ ريحِ الزّعفُرَانِ نسيمُ»، وقوله: «وعُج إلى النّرجسِ عن عوسجٍ ... والآس عن شيحٍ وقيصومِ»، وقوله: «ذكّرني الوردُ ريحَ إنسانٍ ... أذكرُه عند كلّ رَيحَانِ»، وقوله: «فاحتْ برائحةٍ قال العريف لهم ... هل في محلّتنا دكان عطّار»، وقوله: «ومَن لو كان في الطيبِ ... لكان العَنبر الهندّي، وقوله: «يا ياسميناً بالمسكِ مختلطاً ... يا جلّنار في طِيبِ نسرين»، وهذا البيت الأخير من مقطوعة له بلغت أربعة أبيات، وهي أشبه بتركيبة عطرية صنعها أبو نواس، وقدمها لمن أراد أن يجرّبها. إن هذه (المخلطات) العطرية كثيرة جداً في أشعاره، وهي تدل على بلوغ (العطريات) منزلة جيدة بين قصائد ديوانه، إذا ما قورنت بالخمريات، والغزليات، والطرديات، والزهديات. ولفرط اهتمام أبي نواس العطري فقد وجدنا عنده علاماتٍ شمّيةً كثيرةً، كالتطرير (بالعنبر مطرورُ)، والتفتيت، والتفتيق (كنفح مسكٍ فتيق النار مفتوتُ)، والعجن (من عرق بالمسك معجون)، والفوحان (فاحت برائحةٍ – فاح ريحها)، ومعلوم أن العلامة الشمية عند النقاد مبدأ تداولي سيميائي، يندرج ضمن ما يُعرَف بعلم العلامات التداولي، أو (السيميائية التداولية)، وهي دراسة العلامات اللغوية، وغير اللغوية، وكيفية استخدامها ضمن السياق الاجتماعي، مع التركيز على فعل الكلام، وتأثيره على المتلقي بدلاً من المعنى المجرد للكلمة، وقد لمسنا هذا في كثير من أشعار أبي نواس العطرية. بل إن أبا نواس قد ينصّ في أشعاره أحياناً على العطر، وربما كرّر هذه اللفظة في البيت والبيتين، يقول مثلاً: «فقلتُ: أذا عطرٌ؟! فقال: هو العِطرُ»، وقوله من قصيدة أخرى: «تخالُ بها عِطْرًا، وما إن ترى عِطْرا»، وقوله في أخرى: «وأحداقُها صُفرٌ، وأنفاسُها عِطْرُ»، إضافة إلى استصحاب سِيَر العطّارينَ كثيراً في شعره، وهو ما يجعلنا نصفه بأنه كان شاعرًا عطّارًا.