في ظل التحولات البيئية والمناخية التي تشهدها المملكة وتزايد التحديات المرتبطة بندرة المياه وارتفاع الطلب الغذائي، برزت مشروعات الري بالتنقيط كأحد أهم الحلول الاستراتيجية التي أعادت صياغة مستقبل الزراعة الوطنية، ووضعت أسسًا جديدة للتوازن بين التنمية الزراعية والحفاظ على الموارد الطبيعية، لم يعد هذا النوع من الري مجرد تقنية حديثة، بل أصبح خيارًا وطنيًا يعكس وعيًا متقدمًا بأهمية الاستدامة وحسن إدارة المياه. ويقوم نظام الري بالتنقيط على إيصال المياه مباشرة إلى جذور النبات بكميات دقيقة ومنتظمة، وفق احتياج المحصول وطبيعة التربة والظروف المناخية، وهو ما أسهم في تقليل الفاقد المائي الناتج عن التبخر أو الجريان السطحي، ورفع كفاءة استخدام المياه بشكل كبير. وفي المشروعات الزراعية الكبرى، لعب الري بالتنقيط دورًا محوريًا في تحسين الإنتاجية واستقرارها، حيث مكّن المستثمرين من التحكم الكامل في عمليات الري والتسميد، وخفّض تكاليف الطاقة والعمالة، وساعد على رفع جودة المحاصيل. من جهته أكد ماجد الغريبي -صاحب مزارع ورد في منطقة الهدا بمحافظة الطائف- على أن اعتماد هذا النظام أحدث فارقًا واضحًا في إدارة المزرعة، مشيرًا إلى أن الري بالتنقيط ساعد على ترشيد المياه بشكل كبير، والمحافظة على جودة الورد، وتحسين نموه وتناسقه، إضافة إلى تقليل الجهد اليومي وضمان انتظام الإنتاج طوال الموسم. وأشار المستثمر الشاب عبدالعزيز سايف العتيبي إلى أن الري بالتنقيط أسهم في تقليل الوقت والجهد المبذولين في الري، ورفع كفاءة استغلال المياه، وساعد على تحسين جودة المحاصيل وزيادة العائد الاقتصادي في فترة وجيزة. وقال المستثمر عبدالرحمن عايض: إن التحول إلى الري بالتنقيط غيّر مفهوم العمل الزراعي التقليدي، حيث خفّض الاعتماد على العمالة الكثيفة، وقلّل من نمو الحشائش الضارة، وساعد على تحسين بيئة التربة واستقرار الإنتاج. ومن منطقة القصيم، رأى المزارع فهد بن ناصر الحربي أن الري بالتنقيط أسهم في تحسين بنية التربة وتقليل الأمراض النباتية، وأتاح له التحكم الدقيق في كميات المياه، مما انعكس إيجابًا على جودة المحصول. وفي منطقة الجوف، ذكر المزارع محمد بن صالح الرويلي أن هذا النظام مكّنه من الاستمرار في الزراعة رغم شح المياه، وساعده على التركيز على محاصيل ذات قيمة اقتصادية عالية. ومن الجانب العلمي، أوضح الدكتور خالد بن حسين الزهراني -أستاذ الاقتصاد الزراعي- أن الري بالتنقيط يمثل ركيزة أساسية لرفع كفاءة القطاع الزراعي، إذ يسهم في خفض التكاليف التشغيلية وزيادة العائد على الاستثمار، ويعزز من قدرة المزارعين على المنافسة، مؤكداً على أن ترشيد المياه ينعكس مباشرة على استقرار الإنتاج والأسعار. أما في مجال المياه، فأشار الدكتور عبدالله بن محمد السبيعي -المختص في إدارة الموارد المائية- إلى أن الري بالتنقيط يعد من أنجح الوسائل للحفاظ على المخزون الجوفي، والحد من الاستنزاف غير المنظم للمياه، إضافة إلى تقليل تسرب الأسمدة إلى المياه الجوفية، مما يحافظ على جودة الموارد المائية والبيئية. ومن منظور علم الأرض، أوضح المهندس الجيولوجي أحمد بن علي القحطاني أن الري بالتنقيط يساعد على حماية التربة من التعرية والتملح، ويحافظ على توازنها الطبيعي، خاصةً في الأراضي الرملية، ويجعلها أكثر قدرة على الإنتاج المستدام على المدى الطويل.وعلى الصعيد الاجتماعي، أسهمت مشروعات الري بالتنقيط في تحسين مستوى معيشة المزارعين، وزيادة الاستقرار الاقتصادي في المناطق الريفية، وخلق فرص عمل جديدة في مجالات التشغيل والصيانة والإدارة الزراعية، كما شجعت الشباب على دخول القطاع الزراعي بأساليب حديثة ومجدية.