التنمّر ليس مجرد كلمة عابرة، ولا تصرّفًا عفويًا كما يظنه البعض، بل هو سلوك مؤذٍ يترك آثارًا طويلة الأمد، قد لا تُرى بالعين، لكنها تُثقِل النفس وتغيّر مسار الحياة لدى كثيرين. قد يبدأ التنمّر بسخرية، أو لقب جارح، أو تعليق ساخر، لكنه لا يتوقف عند هذا الحد. مع التكرار، يتحول إلى ضغط نفسي، وخوف، وعزلة، وفقدان للثقة، وقد يصل في بعض الحالات إلى الاكتئاب أو الانسحاب الاجتماعي، وربما أكثر من ذلك. المؤلم في التنمّر أنه لا يقتصر على المدارس فقط، بل يتسلل إلى أماكن العمل، وإلى الشارع، وإلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُقال الكلمات بسهولة، دون إدراك للأثر الذي تتركه خلف الشاشات. والأخطر من التنمّر نفسه.. الصمت عنه. فحين يُقابل السلوك الخاطئ بالتجاهل، يشعر المتنمّر أن ما يفعله مقبول، بينما يشعر الضحية أنه وحده، بلا دعم أو حماية، التنمّر لا يدل على قوة، بل يكشف ضعفًا داخليًا لدى من يمارسه؛ ضعف في التعاطف، وفي تقدير الذات، وفي القدرة على احترام الاختلاف. فالأشخاص الواثقون بأنفسهم لا يحتاجون إلى التقليل من الآخرين ليشعروا بقيمتهم. مواجهة التنمّر مسؤولية مشتركة. تبدأ من الأسرة التي تزرع الاحترام في أبنائها، وتمر بالمدرسة التي يجب أن تكون بيئة آمنة، وتصل إلى المجتمع الذي عليه أن يرفض هذا السلوك بشكل واضح وصريح. كما أن الكلمة الطيبة، والدعم النفسي، والتدخل في الوقت المناسب، قد تنقذ شخصًا من أثر نفسي عميق، وتعيد له ثقته بنفسه وبمن حوله. نحتاج اليوم إلى أن نُعيد تعريف القوة في عقول أبنائنا: القوة ليست في السخرية، ولا في السيطرة، ولا في إلحاق الأذى.. بل في الاحترام، والتعاطف، والقدرة على احتواء الآخر مهما اختلف. في النهاية، التنمّر جرح قد لا ينزف دمًا، لكنه ينزف ثقة وأمانًا، ومجتمعٌ واعٍ... هو مجتمع لا يسمح بفتح هذا الجرح، ولا بالصمت عليه. عبدالرحمن المحمادي