"سلوك الكمال يبدأ من كمال الاتزان"، قريباً مما يراه ابن خلدون من أن "فساد الباطن نتيجة حتمية لاضطراب أحوال النفس" يمكن القول إن اختلال الداخل يترك أثرًا عميقًا في حياة الإنسان، فهو حقيق بصنع مساحة متوترة يكون فيهاالإنسان أسير انفعالاته، متأرجحاً بين اندفاع مرهق وخمول مستنزِف، دون نقطة ارتكاز تمنحه السكينة وتمييز القابل، وهذا بدوره يخلطالرغبات بالحاجات، والطموحات بالمخاوف، ويتحول القرار إلى استجابة لحظية بدل أن يكون اختيارًا واعيًا. فينتج تضخيم للبسيط وتسطيح للمعضل وقس على هذا ما ينعكس في العلاقات الإنسانية بدوائرها المختلفة وكل ذلك المحيط بكل مستوياته. تكمن خطورة هذا المسار في طابعه التراكمي، فالاختلال الروحي لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل عبر إهمال الذات، وتجاهل الإشارات الداخلية، وتأجيل العناية بالروح. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الإهمال إلى نمط حياة، فيغدو استعادة التوازن أكثر تعقيدًا. من هنا تتضح أهمية التوازن الروحي كثمرة اعتدال أعمق تتآلف فيه قوى النفس وتتناسق، فينشأ عن هذا الائتلاف حضور واعٍ يمنح الحياة معناها، ويؤطر اتجاهها كذلك، وحين تستقيم الروح على هذا الاعتدال، تتضح الرؤية، ويهدأ الإيقاع الداخلي، وتنتظم العلاقة بين الفكر والشعور والفعل. وفي هذا المناخ فقط يولد شعور الانسجام، ويغدو الإنسان أكثر اتصالًا بذاته وأكثر قدرة على العيش بطمأنينة وتمييز. ينطلق التوازن المنشود من وعي الذات، وهو وعي يتشكل عبر فهم الدوافع العميقة، والميول الكامنة، ومعرفة حدود الطاقة الداخلية وطرق توجيهها، وبالتالي فتح مساحة رحبة للتأمل، وسلطة أقوى في ترتيب الأولويات، ليختار ما ينسجم مع قيمه، ويمنح وقته وجهده لما يعزز نموه، ومع الوقت يتحول هذا الوعي إلى بوصلة داخلية ثابته ومستدامةتقود السلوك وتضبط الانفعالات. يمتد الأثر إلى إدراك الإنسان للحياة ومجرياتها، والأحداث اليومية التي تأخذ موقعها الطبيعي بسبيل أوسع وشمولية أنجع، فتتحول النجاحات إلى محفزات للنمو، والتحديات إلى خبرات تُصقل بها الحكمة، وما يتلوها من صفاء يتغشى النفس، وذهن محرر منالتشتيت، فتجتمع الطاقة في سياقات بنّاءة تخدم المسار العام للحياة. ينعكس التوازن الروحي بطبيعة الحال على العلاقات الإنسانية بصورة جلية، فالإنسان المتوازن يحمل حضوره بهدوء، ويتواصل بوعي، ويصغي بعمق، فتتشكل علاقاته على أساس الروية بالمقام الأول ثم التفاهم والاحترام، وهذا النمط من التفاعل يخلق بيئة إنسانية صحية، تنمو فيها الثقة، وتتسع فيها مساحات التعاون، ويشعر فيها الجميع بالأمان النفسي. ختاماً: التوازن الروحي مسار يتجدد عبر التأمل والممارسة والوعي المستمر، وربما هنا شيء من المثالية، ولكن لعله طريق طويل سيُحسب لك المضي فيه ولو كان بخطوة، فلعلها تشيّد أول لبنة في علاقة صحية مع الذات والعالم.