اداء ضعيف للدولار    المملكة تعيد تعريف التنافسية غير النفطية    تحويل الفشل إلى نقطة انطلاق    هل ستقفز من الهاوية؟    ما بين الواقع والطموح.. اللاعب السعودي أمام منعطف حاسم    تجارب تشغيلية لمتطوعي كأس آسيا تحت 23 عامًا «2026 السعودية»    المحاكم من عامة إلى متخصصة    قوة تُغيّر الواقع دون ضجيج    الملد.. قريةٌ تعلو الصخر    مبدعون ودعتهم الأوساط الثقافية عام 2025    الإكثار من الماتشا خطر صحي يهدد الفتيات    هل تستطيع العقوبات تغيير مسار الصراع؟    المملكة توزّع (178) سلة غذائية في مدينة طالقان بأفغانستان    ترامب: أتناول جرعة أسبرين أكبر مما يوصي بها الأطباء    بلغاريا تنضم رسمياً لمنطقة اليورو وتلغي عملتها الوطنية «الليف»    ينبع تشهد مؤتمر "الجيل السعودي القادم" في عامه الثاني ضمن فعاليات رالي داكار السعودية 2026    البرازيل: المحكمة العليا تأمر بإعادة بولسونارو للسجن بعد خروجه من المستشفى    "هيكساجون" أكبر مركز بيانات حكومي في العالم في الرياض    إحباط تهريب (85,500) قرص خاضع لتنظيم التداول الطبي في عسير    أمير الشرقية يدشّن محطتي تحلية المياه ومنصة «خير الشرقية»    متطوعو كأس آسيا تحت 23 عامًا "2026 السعودية" يخضعون لتجارب تشغيلية في ملاعب البطولة    رئيس مجلس إدارة نادي الإبل يزور معرض إمارة منطقة الرياض المشارك بمهرجان الملك عبدالعزيز للإبل العاشر    الهلال يدرس التعاقد مع لاعب انتر ميلان    محافظ الطائف يدشّن مسابقة بالقرآن نسمو 2 دعمًا لحفظ كتاب الله وترسيخ القيم القرآنيه    نائب أمير الشرقية يطلع على مبادرة "مساجدنا عامرة" و يطلع على أعمال جمعية "إنجاب"    فريق طبي ب"مركزي القطيف" يحقق إنجازا طبيا نوعيا بإجراء أول عملية استبدال مفصل    بنك فيجن يعزز حضوره في السوق السعودي بالتركيز على العميل    الأطفال يعيدون رواية تراث جازان… حضورٌ حيّ يربط الماضي بجيل جديد في مهرجان 2026    المغرب تجدد دعمها للحفاظ على استقرار اليمن ووحدة أراضيه    السعودية وتشاد توقعان برنامجا تنفيذيا لتعزيز التعاون الإسلامي ونشر الوسطية    نزاهة تحقق مع 466 مشتبها به في قضايا فساد من 4 وزارات    حرس الحدود يشارك في التمرين التعبوي المشترك «وطن 95»    إرشادات أساسية لحماية الأجهزة الرقمية    أمير القصيم يزور معرض رئاسة أمن الدولة    «عالم هولندي» يحذر سكان 3 مدن من الزلازل    تلويح بالحوار.. وتحذير من زعزعة الاستقرار.. الاحتجاجات تتسع في إيران    تخطى الخلود بثلاثية.. الهلال يزاحم النصر على صدارة «روشن»    ولي العهد ورئيس وزراء باكستان يناقشان تطورات الأحداث    ارتفاع السوق    34.5 % نمو الاستثمار الأجنبي في المملكة    في 26 أولمبياد ومسابقة آيسف العالمية.. 129 جائزة دولية حصدها موهوبو السعودية    علي الحجار يقدم «100 سنة غنا» غداً الجمعة    "التعاون الإسلامي" تجدد دعمها للشرعية اليمنية ولأمن المنطقة واستقرارها    أكد أن مواقفها ثابتة ومسؤولة.. وزير الإعلام اليمني: السعودية تحمي أمن المنطقة    طالب إسرائيل بالتراجع عن تقييد عمل المنظمات.. الاتحاد الأوروبي يحذر من شلل إنساني في غزة    زوّجوه يعقل    أطول كسوف شمسي في أغسطس 2027    مسابقة أكل البطيخ تودي بحياة برازيلي    عملية لإطالة عظم الفخذ لطفل    إجماع دولي على خفض التصعيد ودعم الحكومة اليمنية    أول عملية لاستبدال مفصل الركبة باستخدام تقنية الروبوت    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية طفلي الطبية بالمنطقة    تكليف عايض بن عرار أبو الراس وكيلاً لشيخ شمل السادة الخلاوية بمنطقة جازان    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تنظّم حفل اعتماد الدفعة الأولى من الاعتماد البرامجي    «وطن 95».. تعزيز جاهزية القطاعات الأمنية    فلما اشتد ساعده رماني    باحثون يطورون نموذجاً للتنبؤ بشيخوخة الأعضاء    خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد يعزيان أسرة الخريصي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإبادة مستمرة
نشر في الرياض يوم 02 - 01 - 2026


توظيف المرض أداةً إضافية للتعذيب
شكل عام 2025 مرحلةً ممتدة لجريمة الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وشملت عدوانًا شاملًا على كافة الجغرافيات الفلسطينية.
وقد تواصلت الجرائم الممنهجة ضد الأسيرات والأسرى والمعتقلين في السجون والمعسكرات «الإسرائيلية»، التي تحولت إلى ساحات للتعذيب المستمر والمنهجي، عبر بنية متكاملة ومعقدة تهدف إلى تدمير الأسير نفسيًا وجسديًا، وممارسة الإعدام البطيء، وترتقي هذه الممارسات بكثافتها ونطاقها الواسع إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بكونها جزءًا لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية.
وتؤكد مئات الشهادات والإفادات الموثقة، إلى جانب القرائن المادية، والتصريحات العلنية المتطرفة الصادرة عن مسؤولي الاحتلال، وعلى رأسهم الوزير «إيتمار بن غفير»، أن هناك نهجًا لتنفيذ جريمة الإبادة بحق الأسيرات والأسرى في السجون والمعسكرات «الإسرائيلية».
ويشكل عدد الأسرى الذين قتلتهم «إسرائيل» منذ بداية جريمة الإبادة الجماعية، مؤشراً واضحاً على هذه السياسة، إذ تجاوز عدد الشهداء الأسرى والمعتقلين المعترف بهم من قبل الاحتلال المئة أسير، سواء الذين استشهدوا داخل السجون أو بعد نقلهم إلى المستشفيات «الإسرائيلية».
وقد تم الإعلان عن هويات (86) منهم، بينهم (32) خلال عام 2025، بينما لا يزال العشرات من معتقلي غزة رهن الاختفاء القسري، ويواصل الاحتلال احتجاز جثامين (94) أسيرًا، منهم (83) بعد الإبادة.
وتشير مؤسسات الأسرى ومنظمات حقوقية إلى أن تجاوز عدد الشهداء المئة أسير بعد أكثر من عامين على جريمة الإبادة الجماعية يشكل انعكاسًا غير مسبوق تاريخيًا لحالة التوحش ومستوى العنف، وعمليات الإعدام الممنهجة بحق الأسرى، وهو ما يعادل عدد الأسرى الذين استشهدوا في السجون والمعسكرات «الإسرائيلية» على مدار 24 عاماً امتدت منذ عام 1967 -1991، بحسب التوثيق المتوفر لدى المؤسسات الفلسطينية.
هذه الحقائق الصادمة تؤكد أن ما يجري بحق الأسرى إبادة ممنهجة، تتخذ من التعذيب، التجويع، الحرمان من العلاج، فرض ظروف تهدد الحياة وتؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة، إضافة إلى العنف الجنسي، العزل الجماعي، وحرمان الأسرى من كافة مقومات الحياة الإنسانية أدوات تنفيذية جريمة الإبادة في السجون.
حملات الاعتقال الممنهجة
واصلت سلطات الاحتلال حملات الاعتقال الممنهجة في الجغرافيات الفلسطينية كافة، والتي تُشكّل إحدى أبرز السياسات التاريخية الثابتة والمستمرة، وقد تصاعدت بشكل غير مسبوق مع بدء جريمة الإبادة الجماعية وما رافقها من عدوان شامل. وقد وثّقت المؤسسات المختصة في الضفة، بما فيها القدس، نحو 21 ألف حالة اعتقال، شملت فئات المجتمع الفلسطيني كافة، من بينهم (1655) طفلًا، و(650) من النساء، مع الإشارة إلى أنّ هذا المعطى لا يشمل حالات الاعتقال من غزة، التي تُقدّر بالآلاف منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، إلى جانب حملات الاعتقال في الأراضي المحتلة عام 1948، والتي تُقدّر بالمئات.
وشهد عام 2025 حملات اعتقال واسعة، إلى جانب عمليات التحقيق الميداني، التي طغت على المشهد، وتحولت إلى سياسة ثابتة وممنهجة لا تقل خطورة عن مستوى عمليات الاحتجاز والاعتقال. وقد اعتمدت عليها قوات الاحتلال بشكل أكبر وأوسع منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، وترسخت بشكل كبير، مستهدفة المخيمات والبلدات التي تتعرض لعمليات استيطان واسعة ومتصاعدة.
وقد وثّقت المؤسسات خلال عام 2025 أكثر من (7000) حالة اعتقال، من بينهم (600) طفل، و(200) من النساء، إلى جانب عمليات التحقيق الميداني التي طالت الآلاف.
وقد تركزت حملات الاعتقال بحق الأسيرات والأسرى المحررين ومن تعرضوا للاعتقال سابقًا، إذ إن الجزء الأكبر ممن يعتقلهم الاحتلال كانوا قد تعرضوا للاعتقال مرات عديدة، ومنهم من أمضى عقودًا في الأسر.
ولم تكتفِ سلطات الاحتلال باستخدام سياسة الاعتقال بحق الفلسطينيين، بل امتدت لتشمل المئات من المتضامنين الذين حاولوا كسر الحصار عن الشعب الفلسطيني في غزة.
وقد رصدت المؤسسات إجمالي الجرائم والانتهاكات التي رافقت عمليات الاعتقال والتحقيق الميداني، ومنها: عمليات التنكيل والاعتداء بالضرب المبرّح، وعمليات الإرهاب المنظّم بحق المعتقلين وعائلاتهم، وعمليات الإعدام الميداني الممنهجة، إلى جانب عمليات التخريب والتدمير الواسعة في منازل المواطنين، ومصادرة المركبات والأموال ومصاغ الذهب، فضلًا عن عمليات التدمير الواسعة والمحو الاستعماري التي طالت البُنى التحتية، لا سيما في مخيمات طولكرم، و جنين ومخيمها، وهدم منازل تعود لعائلات أسرى، واستخدام أفراد من عائلاتهم كرهائن، إضافة إلى استخدام معتقلين دروعًا بشرية.
معتقلون تعسفيًا
يبلغ إجمالي عدد المعتقلين الذين تحتجزهم «إسرائيل» دون «تهم» أو «محاكمات»، وتواصل اعتقالهم بشكل تعسفي، ما نسبته 49% من إجمالي أعداد الأسرى المحتجزين في السجون المركزية. فمن بين أكثر من 9300 أسير في السجون، تحتجز سلطات الاحتلال 3350 معتقلاً إداريًا، إضافة إلى 1220 معتقلاً ممن تصنّفهم سلطات الاحتلال «مقاتلين غير شرعيين»، استنادًا إلى قانون «المقاتل غير الشرعي» المطبّق على معتقلي غزة، وهو قانون يشبه في جوهره الاعتقال الإداري.
ويعكس هذا المعطى الكيفية التي تستخدم فيها سلطات الاحتلال سياسة الاعتقال الإداري على نطاق واسع، وكذلك استمرار اعتقال المئات من معتقلي غزة تعسفيًا وتصنيفهم «مقاتلين غير شرعيين».
وقد شكّلت سياسة الاعتقال الإداري إحدى أبرز التحوّلات الهائلة المرتبطة بالإبادة والعدوان الشامل على الضفة، بما فيها القدس. وبالقراءة التاريخية، يتبيّن أن مستويات أعداد المعتقلين الإداريين التي سُجّلت بعد الإبادة لم تُسجَّل تاريخيًا منذ بدء الاحتلال، وذلك وفقًا للمعطيات المتوفرة لدى المؤسسات الحقوقية المختصة، وكذلك على صعيد أعداد الأطفال الذين جرى اعتقالهم إدارياً، وكذلك النساء، حيث يبلغ عدد الأسيرات المعتقلات إدارياً (16)، بالإضافة إلى استمرار اعتقال عشرات الأطفال إدارياً.
كما لم يسبق أن استخدمت سلطات الاحتلال قانون «المقاتل غير الشرعي»، الذي أُقِرّ عام 2002، بهذا المستوى الواسع بحيث وصل عددهم قبل إتمام الصفقة (2700).
وإلى جانب ذلك، نشير إلى عمليات الاعتقال على خلفية ما يدّعيه الاحتلال «بالتحريض»، والتي شكّلت أداة إضافية لاعتقال المئات من المواطنين، وتحويل منصّات التواصل الاجتماعي إلى أداة قمع وسيطرة.
مواجهة منظومة التعذيب
لم تُبقِ منظومة السجون «الإسرائيلية» وسيلةً إلا واستنفذتها في تعذيب الأسرى وإخضاعهم، سعيًا إلى تفكيك إنسانيتهم وتدميرهم جسديًا ونفسيًا. وكما أُشير سابقًا، لم تعد السجون «الإسرائيلية» مجرد أماكن احتجاز، بل تحوّلت إلى ساحات مفتوحة للتعذيب، وإلى امتدادٍ مباشر لجريمة الإبادة، فقد بات من المتعذّر على المؤسسات المختصة حصر أعداد الأسرى المرضى، في ظل واقعٍ لا يكاد يخلو فيه أسير من معاناة صحية واحدة على الأقل، نتاجًا مباشرًا لسياسات ممنهجة فُرضت عليهم على مدار أكثر من عامين. ويعني ذلك أنّ آلاف الأسرى يعيشون أوضاعًا صحية متدهورة، دون أدنى مستويات الرعاية والمتابعة الطبية.
وفي السياق ذاته، لم ينجُ أيّ أسير من دوائر العنف المتعددة، ولا من منظومة التعذيب المنظمة التي تبدأ منذ اللحظة الأولى للاعتقال، وتتواصل بأشكالٍ وأساليب متجددة داخل السجون. وعندما نتحدث عن التعذيب في هذا السياق، فإننا نتجاوز التعريفات القائمة التي أقرّها القانون الدولي، إذ تكشف شهادات الأسرى عن مستوى من الوحشية والتنكيل يجعل المفهوم القانوني القائم عاجزًا عن توصيف الواقع الفعلي لما يتعرض له الأسرى داخل السجون الإسرائيلية».
وقد أسهمت هذه الممارسات مجتمعة في استشهاد العشرات، إلى جانب اعتماد سياسة التجويع الممنهج، وحرمان الأسرى من الغذاء الكافي والمتوازن، وارتكاب جرائم طبية جسيمة، تشمل الحرمان المتعمّد من العلاج، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تفشّي الأمراض والأوبئة.
كما شملت هذه السياسات العزل الجماعي والانفرادي، وتجريد الأسرى من أدنى مقومات الحياة الاعتقالية، ضمن منظومة شاملة من السلب والحرمان.
وتتجلّى هذه الانتهاكات أيضًا في حملات القمع المنظّمة التي تنفّذها وحدات خاصة تابعة لإدارة سجون الاحتلال، وفي مقدمتها وحدات «كيتر» و»المتسادا» و»النحشون»، فضلًا عن الاعتداءات الجسدية العنيفة، واستخدام الغاز والقنابل الصوتية، وأدوات الصعق الكهربائي، وسياسات الإذلال والتفتيش العاري، والاعتداءات الجنسية بما فيها الاغتصاب. كما جرى توظيف المرض أداةً إضافية للتعذيب، عبر الحرمان من العلاج، كما في حالة انتشار مرض الجرب (السكابيوس) الذي تحوّل إلى وسيلة تعذيب مركّبة ذات أبعاد جسدية ونفسية. ويضاف إلى ذلك الإرهاب النفسي الممنهج، وتحويل إجراءات «العدد» أو ما يُسمّى بالفحص الأمني إلى طقوس يومية للتنكيل والإذلال، فضلًا عن التهديد المستمر بالقتل والتصفية، وسياسة الإخفاء القسري التي طالت معتقلي غزة.
ممارسات تطال الأسيرات
وتمتد هذه السياسات لتشمل حرمان الأسرى من أبسط احتياجاتهم الأساسية، من ملابس وأغطية وأدوات نظافة شخصية، مع التأكيد على أنّ هذه الممارسات تطال الأسيرات والأطفال على حدّ سواء.
كما تصاعدت الاعتداءات بحقّ رموز وقيادات الحركة الأسيرة، الذين يُخضعون لعزلٍ مضاعف في محاولة منهجية لتصفيتهم وإعدامهم ببطء، بالتوازي مع حملات تحريض علنية على قتلهم.
ولا يكتفي الاحتلال بذلك، بل يواصل احتجاز جثامين الأسرى بعد استشهادهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، فيما يضطلع الجهاز القضائي بدورٍ تواطئي في ترسيخ هذه الجرائم، من خلال الادّعاء بفتح تحقيقات شكلية تفتقر إلى أي مضمون فعلي للمساءلة.
وقد أدّت هذه المنظومة الإجرامية المتكاملة إلى استشهاد ما يزيد على مئة أسير في سجون ومعسكرات الاحتلال منذ الإبادة، أُعلن عن هويات (86) منهم، بينهم (32) شهيدًا خلال عام 2025، في حين لا يزال العشرات من شهداء معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري.
كما كشفت عمليات تسليم جثامين المئات من شهداء غزة، في إطار اتفاق «وقف إطلاق النار»، أنّ العديد منهم كانوا مقيّدين ومعصوبي الأعين، بما يشير بوضوح إلى تعرّضهم للإعدام بعد الاعتقال أو الاحتجاز.
وحتى ديسمبر 2025، بلغ عدد الأسرى المحتجزين في السجون والخاضعين إداريًا لإدارة سجون الاحتلال أكثر من (9300) أسير، من بينهم (3350) معتقلًا إداريًا، و(49) أسيرة، ونحو (350) طفلًا، و(1220) ممّن صنّفتهم سلطات الاحتلال «مقاتلين غير شرعيين»، دون أن يشمل هذا الرقم أعداد المعتقلين المحتجزين في المعسكرات التابعة للجيش.
شهادات صادمة
شكّلت روايات وشهادات معتقلي غزة تحوّلًا مفصليًا في مستوى العنف والإرهاب الذي تمارسه منظومة الاحتلال؛ إذ كشفت عن نمط غير مسبوق من جرائم التعذيب الممنهج، التي بدأت منذ لحظة الاعتقال، مرورًا بعمليات التحقيق، وصولًا إلى فترات الاحتجاز الطويلة. وتنوّعت أساليب القمع والانتهاك بين التعذيب الجسدي والنفسي، وعمليات التنكيل والتجويع، والجرائم الطبية المتعمّدة، فضلًا عن الاعتداءات الجنسية، لتشكّل مجتمعةً مشهدًا مكتمل الأركان لجريمة إبادة تُمارَس داخل السجون والمعسكرات.
وقد أفضت هذه الجرائم إلى استشهاد عشرات المعتقلين، إضافةً إلى عمليات إعدام ميداني نفّذتها قوات الاحتلال بحقّ آخرين. وتشير المعطيات الرسمية إلى أنّ المؤسسات الحقوقية أعلنت، حتى الآن، عن استشهاد (50) معتقلًا من غزة، من بين (86) أسيرًا ومعتقلًا استُشهدوا منذ بدء الإبادة، في وقتٍ يواصل فيه الاحتلال إخفاء مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة.
كما يُشار إلى أنّ سلطات الاحتلال أنشأت عددًا من المعسكرات والأقسام الخاصة داخل السجون لاحتجاز معتقلي غزة، من أبرزها معسكر «سديه تيمان»، الذي تحوّل إلى العنوان الأبرز لجرائم التعذيب والقتل، وقسم «راكيفت» في سجن «الرملة»، والذي يُعدّ نموذجًا صارخًا لممارسات الإخفاء القسري والتعذيب الممنهج. ويُذكر أنّ الغالبية العظمى من معتقلي غزة الذين اعترفت بهم إدارة السجون مُصنَّفون ضمن ما يُسمّى «المقاتلين غير الشرعيين»، وهو أحد أخطر القوانين التي كرّست جرائم التعذيب والتعسّف بحقّ معتقلي غزة.
قوانين عنصرية
عقب جريمة الإبادة الجماعية، شهدت المنظومة التشريعية «الإسرائيلية» تصعيدًا غير مسبوق، تمثّل في إقرار «الكنيست» حزمة واسعة من القوانين والتعديلات التشريعية التي عمّقت بصورة منهجية نظام الفصل العنصري، ورسّخت أدوات السيطرة والقمع بحق الشعب الفلسطيني، وبصورة خاصة الأسرى والمعتقلين. وقد جرى توظيف جريمة الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة بوصفها ذريعة سياسية وقانونية لتسريع سنّ تشريعات انتقامية، تجاوز عددها ثلاثين قانونًا جديدًا، ما رفع مجمل القوانين العنصرية «الإسرائيلية» إلى ما يقارب مئة قانون، في مؤشر واضح على الطابع البنيوي والممنهج لهذا المسار التشريعي.
استهدفت هذه القوانين تقويض منظومة الحقوق والحريات الأساسية، وعلى رأسها حرية التعبير والتنظيم والاحتجاج، والحق في المواطنة والحياة الأسرية، ومبدأ المساواة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. كما رافق ذلك تشديد غير مسبوق على منظومة الاعتقال و»العقاب»، من خلال إدخال تعديلات جوهرية وخطيرة على أنظمة إدارة السجون، أتاحت إعلان ما سُمّي «حالة طوارئ اعتقالية»، بما يشرعن احتجاز الأسرى في ظروف قاسية ولا إنسانية وحاطة بالكرامة، ويمنح سلطات السجون صلاحيات استثنائية تتجاوز الحد الأدنى من المعايير الدولية لمعاملة السجناء.
وفي السياق ذاته، أُقرت قوانين تجيز سحب الجنسية أو الإقامة، وفرض الإقامة الجبرية، ووقف المخصصات الاجتماعية، فضلًا عن السماح بطرد أو معاقبة أقارب الأسرى، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
كما وسّعت هذه التشريعات صلاحيات اعتقال الأطفال، ومدّدت فترات التوقيف والقيود على المراجعة القضائية في أوامر الاعتقال الإداري، بما يقوّض جوهر الضمانات القانونية للمحاكمة العادلة، ويُفرغ الرقابة القضائية من مضمونها، ويحوّل الاعتقال الإداري إلى أداة انتقامية مفتوحة المدة.
وفي عام 2025، واصل «الكنيست» هذا المسار عبر إقرار مشاريع وقوانين انتقامية إضافية، من بينها تشريعات تهدف إلى فرض عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين. وفي هذا الإطار، أقرّ الكنيست بتاريخ 10 نوفمبر 2025، بالقراءة الأولى، مشروع قانون ينص على فرض عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين، بما يجيز، في حال إقراره نهائيًا، تنفيذ حكم الإعدام بحق كل من «يتسبب عمدًا أو بإهمال بمقتل مواطن «إسرائيلي» بدافع عنصري أو عدائي». ويُظهر هذا المشروع توظيف التشريع كأداة لإضفاء غطاء قانوني على ممارسات تُشكّل انتهاكات جسيمة للحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة، المنصوص عليه في المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في سياق يُعد امتدادًا مباشرًا لسياسات قمعية تمييزية ممنهجة، تهدف إلى شرعنة القتل تحت مظلة قانونية عنصرية.
إلى جانب ذلك، أُقرت قوانين تُجرّم إنكار أو «تمجيد» أحداث 7 أكتوبر 2023، وتوسّع بصورة مفرطة صلاحيات الشرطة في قضايا «التحريض» دون توفير رقابة قضائية فعّالة، فضلًا عن تمديد العمل بإجراءات المحاكمات عن بُعد، الأمر الذي أضعف بصورة جوهرية حق الأسرى في المثول الفعلي أمام القضاء، وقيّد قدرتهم على التواصل المباشر والفعّال مع محاميهم، بما يخلّ بضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
أما معتقلي قطاع غزة بعد الإبادة الجماعية، فقد خضعوا لنظام تشريعي استثنائي صنّفهم «مقاتلين غير شرعيين»، وأتاح احتجازهم لفترات طويلة دون لوائح اتهام واضحة، ومنعهم من لقاء المحامين، مع تقليص شديد للرقابة القضائية. كما جرى تمديد لوائح حالة الطوارئ المتعلقة بالاعتقالات والتحقيقات حتى مطلع عام 2026، ما أتاح احتجاز الأفراد لفترات مطولة دون أي مسوّغ قانوني مشروع.
تعكس هذه المنظومة التشريعية توظيف حالة الطوارئ بوصفها إطارًا دائمًا للحكم، وأداة لتوسيع صلاحيات الاحتجاز والقمع خارج الأطر القانونية المعتادة، وتحويل التشريع ذاته إلى وسيلة للسيطرة والانتقام الجماعي.
وقد أسهمت هذه القوانين في إضفاء شرعية قانونية على الاحتجاز التعسفي، وتقويض حقوق الدفاع، وتهيئة بيئة قانونية تُكرّس الإفلات من المساءلة، بما يرقى إلى سياسات ممنهجة تُشكّل جزءًا لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحق الأسيرات والأسرى الفلسطينيين.
50 أسيرة
كشفت تقارير حقوقية وشهادات أسيرات محررات عن أوضاع اعتقالية بالغة القسوة تعيشها نحو 50 أسيرة فلسطينية في سجن الدامون، في ظل سياسة قمع ممنهج تشمل العزل، والاعتداء الجسدي، والإهمال الطبي المتعمد، وحرمان الأسيرات من أبسط الحقوق الإنسانية.
وأفادت التقارير بأن إدارة السجن تنفّذ اقتحامات متكررة للأقسام، تتخللها اعتداءات مباشرة، من بينها رش الغاز داخل الغرف وعلى وجوه الأسيرات، والضرب والسحل من الشعر، وخلع الحجاب قسرًا، ومنع ارتدائه خلال الاقتحامات، إضافة إلى تقييد الأسيرات بالأصفاد وإجبارهن على الركوع أرضًا والاعتداء عليهن في ساحات السجن.
شهادات حيّة
ونقلت التقارير شهادات لأسيرات تعرضن لانتهاكات جسيمة، من بينهن الأسيرة تسنيم الهمص التي تحدثت عن قمع وحشي واستخدام مكثف للغاز حتى بحق أسيرات يعانين إصابات خطيرة.
كما أفادت الأسيرة شهد حسن بأنها محتجزة في العزل منذ لحظة اعتقالها، وتتعرض لتقييد مؤلم رغم إصابتها بحروق، مع ترك أسيرات مريضات دون أي رعاية طبية.
أما الأسيرة سماح حجاوي، فأكدت أنها تعرضت لقمع عنيف في 5 ديسمبر 2025، شمل إلقاء قنابل صوت وإطلاق الغاز بشكل مباشر كاد يودي بحياتها.
معطيات وأرقام
ووفق المعطيات، يبلغ عدد الأسيرات من محافظة الخليل 15 أسيرة حتى ديسمبر 2025، أُفرج عن واحدة منهن فيما لا تزال 14 رهن الاعتقال، إلى جانب 12 أسيرة معتقلة إداريًا منذ منتصف أكتوبر وست أسيرات أُعيد اعتقالهن بعد الإفراج عنهن سابقًا.
أقدم الأسيرات
وتضم قائمة الأسيرات أقدم معتقلتين في السجن، هما شاتيلا أبو عيادة (32 عامًا) من كفر قاسم، المحكومة بالسجن 16 عامًا منذ عام 2016، وآية الخطيب (35 عامًا) من عرعرة، التي وُصف اعتقالها بالانتقامي، وتقضي حكمًا بالسجن لمدة أربع سنوات.
واقع اعتقالي قاسٍ
وتشير الشهادات إلى أن الأسيرات يعشن حالة رعب دائم جراء الاقتحامات الليلية والنهارية المتكررة، وسط تصعيد واضح في التنكيل منذ السابع من أكتوبر، حيث وصفت أسيرات محررات سجن الدامون بعد الإفراج عنهن بأنه "قبر".
حرمان وإهمال
وتعاني الأسيرات من نقص حاد في الأغطية والملابس الشتوية، واكتظاظ شديد داخل الأقسام، مع نقص في الأسرة واضطرار بعضهن للنوم على الأرض، فضلًا عن رداءة الطعام وقلّته، وتلوث المياه وبرودتها، وارتداء الملابس ذاتها لأشهر طويلة.
إهمال طبي
وأكدت التقارير أن الرعاية الصحية شبه معدومة، حيث يُقدّم مسكّن واحد لمختلف الأمراض دون تشخيص، وتُحرم مريضات السرطان من العلاج اللازم، مع تجاهل الحالات الطارئة والأزمات التنفسية.
قاصرات وجدّات
ويقبع في السجن عدد من القاصرات، بينهن سالي صدقة (17 عامًا) وهناء حماد (17 عامًا)، وسط حرمان من التعليم وتقديم امتحانات الثانوية العامة. كما تضم القائمة أسيرات مسنّات، من بينهن كرم موسى (54 عامًا) المعتقلة منذ 25 فبراير 2025، وحنان البرغوثي (60 عامًا) التي جرى تجديد اعتقالها الإداري بعد تحررها.
أسيرات مريضات وصحفيات
ومن بين الحالات الصحية الخطيرة، الأسيرة فداء عساف (47 عامًا) المصابة بسرطان الدم، والتي تشهد حالتها تدهورًا متسارعًا دون علاج، والأسيرة سهير زعاقيق (45 عامًا) التي تعاني السرطان ونزيفًا مستمرًا مع تجديد اعتقالها الإداري.
كما تتعرض الصحفية فرح أبو عياش (25 عامًا) لانتهاكات شملت التعذيب، وتجريدها من الحجاب، والضرب والإذلال، والزج بها في زنازين قاسية، مع استمرار سياسة التجويع والقمع بحقها داخل السجن.
نداء عاجل
وخلصت المؤسسات الحقوقية إلى أن ما تتعرض له الأسيرات في سجن الدامون يرقى إلى جرائم وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي، مطالبة بتدخل فوري من المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية لتوفير الحماية للأسيرات، ووقف سياسات القمع والتنكيل بحقهن.
سجون الاحتلال


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.