يعتقد البعض أن الزواج يمكن أن يكون علاجًا للمشكلات النفسية أو السلوكية التي يعاني منها أحد الأبناء، مثل الاكتئاب الشديد، أو الاضطرابات النفسية غير المعالجة، أو الإدمان. وغالبًا ما ينبع هذا الاعتقاد من دافع قد يبدو حسن النية؛ إذ يفترض بعض الآباء أن الاستقرار الأسري، وتحمل المسؤولية، ووجود زوجة صالحة كفيلة بإصلاح الابن وإعادته إلى جادة الصواب. غير أن هذه الفكرة، على الرغم من شيوعها، تثير إشكالات أخلاقية وإنسانية عميقة، وقد تؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج كارثية تتجاوز الفرد المعني لتطال أسرة كاملة وأطفالًا أبرياء، بل ومجتمعا آمنا. تكمن الإشكالية الأولى في إخفاء الحقيقة عن أسرة المرأة. فعندما يُزوَّج الابن المصاب بمرض نفسي أو المدمن دون إبلاغ أسرة العروس بحالته الصحية، فإن ذلك يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ الأمانة الذي يُفترض أن يقوم عليه عقد الزواج المقدس. فالزواج ليس تجربة علاجية، ولا ميدانًا لاختبار نجاح أو فشل فرضية نفسية أو اجتماعية، بل هو رباط إنساني وقانوني ذو آثار عميقة ودائمة على حياة الطرفين. إن إخفاء المرض أو الإدمان يضع الزوجة أمام واقع لم تختره عن علم، ويحمّلها أعباء نفسية واجتماعية لم توافق عليها منذ البداية، ولا شك أن المرأة الصالحة، بما تتحلى به من وعي وصبر وحسن معاشرة، قد تكون مصدر دعم مهم في حياة زوجها، وقد تسهم في استقراره وتحسن حالته، شريطة أن يكون هو واعيًا بمرضه، ساعيًا إلى العلاج، ومستعدًا لتحمل مسؤوليته. غير أن تحويل هذا الاحتمال إلى قاعدة عامة يُعد قفزًا على الواقع. فالزوجة ليست مختصة في العلاج النفسي، ولا هي ملزمة شرعًا أو أخلاقيًا أن تكون مشروع إنقاذ لشخص لم يُهيأ للزواج من الناحية النفسية أو السلوكية. ومن منطلق العدالة، يبرز تساؤل مشروع: ماذا لو عكسنا الصورة؟ ماذا لو قامت أسرة العروس بتزويج ابنتهم وهي تعاني من مرض نفسي شديد أو من تعاطي المواد المخدرة، دون إبلاغ الزوج، بحجة أن الزواج قد يُصلح حالها؟ من المؤكد أن كثيرين سيرفضون هذا الفعل، ويعدّونه خداعًا وغشًا وظلمًا للرجل. وينبغي أن ينطبق هذا الرفض على الحالتين معًا دون ازدواجية في المعايير؛ فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ، ولا يمكن تبرير الظلم باختلاف الجنس. إن النتائج المحتملة لهذا الشكل من «العلاج بالزواج» قد تكون بالغة القسوة: توتر مزمن، عنف أسري، طلاق، أو -وهو الأخطر- نشأة أطفال في بيئة مضطربة نفسيًا، بما يحمله ذلك من آثار طويلة الأمد على صحتهم النفسية وسلوكهم الاجتماعي، وهنا يتحول الخطأ من قرار فردي إلى كارثة أسرية ممتدة. كل هذا يقودنا إلى حقيقة أساسية مفادها أن رباط الزوجية رباط مقدس، لا يجوز تحميله ما لا يحتمل، فلا بد أن يُبنى الزواج على الوضوح والصراحة، وعلى قدر معقول من التكافؤ النفسي والعقلي والاجتماعي، حتى يتمكن كل طرف من أداء الدور المنوط به: المودة، والرحمة، والمسؤولية المشتركة. أما الأمراض النفسية والإدمان، فلها مسارات علاجية واضحة تبدأ بالاعتراف، ثم التشخيص، فالعلاج المتخصص. وقد يأتي الزواج لاحقًا بوصفه مرحلة من مراحل الاستقرار، لكنه لا ينبغي أن يكون أبدًا وسيلة العلاج الأولى.