الاستثمار المبكر يمهد الطريق للاستقلال المالي الجيل الجديد يقود قراراته المالية بثقة ومسؤولية مستدامة لم يكن المشهد المالي داخل الأسرة السعودية قبل عقدين قريبًا مما نراه اليوم. فقد ظلّت تفاصيل الدخل والادخار والقروض والالتزامات المالية حكرًا على الرجل، بينما بقيت المرأة في موقع المتلقّي، لا صاحبة القرار. كانت الرواتب التي تتقاضاها بعض النساء تمرّ بين أيديهن سريعًا قبل أن تنتقل مباشرة لأحد أفراد الأسرة لإدارتها وفق أعراف اجتماعية راسخة، اعتبرت المال لسنوات امتدادًا لمفهوم "القوامة"، لا شريك في صناعة الاستقرار الأسري. لكن العقد الأول من الألفية حمل ملامح تغير هادئ أخذ يتصاعد تدريجيًا. فمع توسّع تعليم البنات وارتفاع نسب الملتحقات بالجامعات، بدأ الوعي يتشكل داخل المجتمع حول قيمة مشاركة المرأة في القرار المالي، ليس فقط داخل الأسرة، بل في مسار حياتها الاقتصادية بأكملها. وجاءت رؤية السعودية 2030 لتُحدث صدمة إيجابية عميقة دفعت النساء إلى الأمام بقوة غير مسبوقة؛ إذ اتسعت الفرص أمامهن في سوق العمل وريادة الأعمال، وتلاشت تدريجيًا الصور النمطية القديمة، لتتحول مشاركة المرأة في الشأن المالي من استثناء اجتماعي إلى ممارسة طبيعية، بل وضرورية في كثير من الأحيان. كانت الجامعات، في تلك المرحلة، بمثابة مصانع لتغيير اجتماعي واسع. فدفعات الخريجات الجديدة لم تعد تنظر إلى المستقبل من بوابة الوظائف التقليدية، بل باتت ترى المال كأداة لبناء حياة مستقلة وتأسيس مشروع خاص ورسم مسار مهني طويل الأمد. تروي "ميادة"، خريجة قسم الاقتصاد، أنها كانت أول امرأة في أسرتها تفتح حسابًا استثماريًا رقميًا، وهو أمر لم يكن متصورًا قبل سنوات قليلة. تقول: "لم يكن مجرد فتح حساب... كان إعلانًا بأننا، نحن النساء، أصبحنا نفهم المال ونديره ونخوض مخاطره أيضًا. ومع دخول السعوديات إلى قطاعات مختلفة -من المصارف إلى التعليم والصحة والتقنية- اكتسبت المرأة موقعا جديدا داخل الخارطة المالية للأسرة. فقد باتت كثير من النساء اليوم صاحبات القرار في توزيع الراتب الشهري، ووضع خطط الادخار، ومراجعة القروض، وأحيانا اتخاذ خطوات أكثر جرأة مثل الدخول في سوق الأسهم أو شراء العقارات عبر برامج الدعم التمويلية. تغيّرت لغة الحوار داخل البيوت: لم تعد المرأة تنتظر معلومة عن وضع الأسرة المالي، بل أصبحت هي من يقدّم التقييم ويقترح الخيارات. بوابة الاستثمار النسائي في هذا السياق، تأتي قصة عالية الوابل، موظفة في قطاع التقنية في منتصف الثلاثينات، لتجسّد هذا التحوّل. بدأت عالية مسيرتها المالية بحساب توفير بسيط، لكنها سرعان ما أدركت أن الاستثمار المبكر يمكن أن يفتح لها آفاقًا جديدة. تقول: "كنت أرغب في أن يكون لدي دخل إضافي مستقل عن الراتب الشهري، لذلك بدأت أبحث عن أدوات استثمارية بسيطة يمكن أن أبدأ بها بمبلغ متواضع، كانت المحافظ الاستثمارية الصغيرة بوابتها الأولى إلى عالم الاستثمار، إذ تقول: "وجدت أن كثيرا من البنوك توفر برامج تسمح بالاستثمار بمئات الريالات فقط، وهذا كان مناسبا لبدء تجربة حقيقية في السوق المالية. وتشير إلى أن النساء يشكلن اليوم فئة كبيرة من مستخدمي هذه المحافظ، ليس بسبب حجم الأموال فقط، بل أيضًا لحرصهن على التعلم وفهم المخاطر قبل التوسع في الاستثمار. لكن الطريق لم يكن سهلاً، فمع سعيها للتوسع واجهت مجموعة من العقبات العملية: متطلبات البنوك العالية للتمويل، الحاجة للضمانات، عدم وضوح المخاطر في بعض الصناديق، والالتزام بالضوابط الشرعية، ما استدعى دراسة متأنية واستشارة مستشار مالي. تقول عالية: "كل خطوة تحتاج صبرًا وفهمًا دقيقًا، فالاستثمار ليس مجرد أرقام، بل خطة طويلة الأمد تتطلب الانضباط والفهم الكامل لكل خطوة ، مع الوقت، اكتسبت عالية خبرة أوسع، وحضرت ورش عمل رقمية حول الاستثمار وإدارة المحافظ، وأصبحت اليوم تدير محفظتين صغيرتين، واحدة للادخار والاستثمار الآمن، وأخرى لتجربة استثمارات أكثر ديناميكية بعوائد أعلى، مع استشارة خبراء عند الحاجة. تختتم حديثها: "التحديات لا تزال موجودة، لكنها جزء من الرحلة. نحن، كنساء سعوديات، نتعلم أن المال مسؤولية، وأن الاستثمار يبدأ بخطوة صغيرة، لكنه يمتد تأثيره ليصنع مستقبلًا كاملًا. المرأة وصناعة القرار وتوضح الباحثة الاجتماعية د. نورة العبيد أن التحول في علاقة المرأة السعودية بالمال ليس اقتصاديًا فقط، بل هو "تغيير ثقافي كامل" أعاد تشكيل مفهوم القرار داخل الأسرة. وتقول إن المجتمع بات يدرك أن استقلال المرأة المالي لا يهدد استقرار الأسرة، بل يعززه، وأن هذا الوعي تراكم عبر توسع التعليم الجامعي وتجارب النساء في سوق العمل وإلمامهن بأدوات الادخار والاستثمار. وتشير إلى أنّ كثيرا من الأسر أصبحت تعتمد على بناتها في إدارة الشؤون المالية لما تمتلكن من معرفة وتنظيم ودقة في تقييم الخيارات، مثل القروض والادخار والمنتجات المصرفية. وتختتم بأن انتقال المرأة من دور المتلقية إلى صانعة القرار يمثل مرحلة جديدة من الشراكة داخل الأسرة السعودية، تقوم على مسؤولية مالية مشتركة لا صراع فيها، ومع كل خطوة نحو الأمام، بدأت المرأة السعودية تستعيد علاقتها الحقيقية بالمال بعد سنوات طويلة من التهميش. لكنها في المقابل وجدت نفسها أمام تحديات من نوع آخر؛ فالمجتمع، وإن حمل رخصة أكبر لقبول استقلالها، ما يزال يحتفظ بظلال من التفكير القديم. بعض النساء، رغم امتلاكهن دخلاً ثابتًا وشهادات جامعية، لا يزلن يواجهن مقاومة عند محاولة إدارة أموالهن بشكل مستقل أو اتخاذ قرار مالي كبير، خصوصًا في الأسر ذات البنى التقليدية. استعادة السيطرة المالية في هذا السياق، تروي سارة، وهي موظفة في بداية الثلاثينات من عمرها، تجربتها مع هذا التحول. تقول إنها كانت تتقاضى راتبها الشهري منذ سنوات، لكن قرار إدارة المال بقي خارج يدها. "كنت أعمل وأجتهد، لكن بمجرد نزول الراتب كان ينتقل إلى والدي ليتولى هو تنظيم المصاريف. لم يكن يسمح لي بادخار مبلغ بسيط، حتى لو رغبت في ذلك". وتضيف أن محاولاتها الأولى لفتح حساب ادخار خاص بها قوبلت برفض شديد، باعتبار أن "البيت أولى" وأن المرأة "لا تحتاج إلى أموال مستقلة، تغيرت الأمور تدريجيًا بعد انتقالها إلى وظيفة جديدة في مدينة أخرى. ومع اعتماد الأسرة على دعمها المالي، بدأت سارة تُثبت حضورها كصاحبة قرار. "تعلمت كيف أقسّم الراتب، وكيف أدير التزاماتي، وبدأت أشرح لأسرتي أهمية الادخار والاستثمار. احتجت لوقت طويل حتى تقبلوا فكرة أنني قادرة على اتخاذ قرار مالي بنفسي، ورغم نجاحها النسبي، ما تزال سارة ترى أن المعركة ليست شخصية فقط، بل اجتماعية. تقول: "الكثير من صديقاتي يعشن الحال نفسها. نحن نتقدم... نعم، لكن الطريق ما يزال مليئًا بعقبات تتعلق بكسر الصورة الذهنية القديمة". وتؤكد أن الجيل الجديد من النساء أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لقيادة قراراتهن المالية، لكن القبول الكامل من الأسرة والمجتمع ما يزال بحاجة إلى وقت. مرحلة انتقالية للمرأة ورغم ذلك، فإن المشهد العام يشير إلى أن السعوديات يقتربن أكثر من أي وقت مضى من امتلاك موقع مؤثر في القرار المالي. فما كان حكرًا على الرجل أصبح اليوم مساحة مشتركة، تتفاعل فيها خبرات النساء، ورؤيتهن، وحرصهن على الاستقرار الاقتصادي. وبين الماضي القريب والحاضر المتسارع، تقف المرأة السعودية اليوم أمام مرحلة انتقالية، تتحرك فيها بثقة نحو استقلال مالي لم يعد مجرد طموح، بل واقعا يتشكل على الأرض، حتى وإن بقي الطريق بحاجة إلى مزيد من الوعي القانوني، ومزيد من التحرر من القيود الثقافية التي لم تتلاشى بالكامل بعد. وتُمثّل تجربة ريم الشبيكي، وهي مهندسة برمجة في أواخر العشرينات، صورة دقيقة لهذا التحوّل المتسارع المتشابك مع تحديات اجتماعية ما تزال حاضرة. تقول ريم إنها بدأت العمل قبل خمس سنوات براتب جيد يمكّنها من الادخار وصناعة مستقبل مالي مختلف عمّا اعتادت عليه أسرتها. لكنّها اصطدمت منذ البداية بنظرة تقليدية داخل المنزل؛ فوالدها كان يرى أن إدارة المال جزء من مسؤولياته، وأن "البنت لا تحتاج إلى مشاريع مالية أو خطط استثمار، تحكي ريم أنها كانت تُسلّم معظم راتبها لوالدها في السنوات الأولى احترامًا للتقاليد، لكنها كانت تشعر أن أحلامها المهنية والمادية تتراجع. "كنت أفكر دائمًا في شراء عقار صغير للاستثمار، ليكون مصدر دخل إضافي مستقبلاً. لكن كلما طرحت الفكرة، كان الرد يأتي بأن الاستثمار والمخاطرة المالية ليست من مهام فتاة غير متزوجة، ومع مرور الوقت، اكتسبت ريم خبرة أوسع في عملها واطلعت على برامج التمويل السكني والاستثمار العقاري المتاحة للأفراد، فقررت اتخاذ خطوة مستقلة لأول مرة. فتحت حساب ادخار خاصًا بها دون علم العائلة. تقول: "لم يكن الخوف من المسؤولية، بل من ردة فعل أسرتي. كانت خطوة تبدو وكأنها كسرٌ لصورة اجتماعية قديمة، استمرت في الادخار عاما كاملا، وعندما تمكنت من جمع الدفعة الأولى، اتخذت قرار شراء شقة صغيرة في حي نامٍ، بهدف تأجيرها والاستفادة من عائدها كمصدر دخل مستقر. وتصف لحظة إخبار والدها بالأمر بأنها الأصعب: "قلت له إن الاستثمار جزء من مستقبلي، وإنني قادرة على إدارة مخاطره". وبعد صدمة أولية، تراجع الرفض تدريجيًا أمام إصرارها ورؤيتها الواضحة. اليوم، تمتلك ريم شقتها الاستثمارية الأولى وتؤجرها بعقد سنوي يوفّر لها دخلًا إضافيًا ثابتًا. وتقول إن التحدي الأكبر لم يكن شراء العقار، بل تغيير النظرة التقليدية حول حق المرأة في إدارة مالها واتخاذ قرارات مالية جريئة. وتختتم بقولها: "ربما كانت الخطوة صعبة، لكنها فتحت الباب لي ولغيري من الفتيات لنفكر في المال بعقلية مختلفة... عقلية الشراكة والمسؤولية. تمكين المرأة المالي الكامل إنه زمن جديد تُمسك فيه السعوديات بخيوط القرار المالي لأول مرة بهذه القوة والوضوح، وقد بدأت أرقام هيئة السوق المالية تعكس ذلك الواقع. بحلول نهاية الربع الثاني من عام 2025 وصل عدد المستثمرات السعوديات في سوق الأسهم إلى 1.746 مليون سيدة، وهي قيمة قياسية تمثل ارتفاعًا مقارنة بالربع السابق وبنمو قدره نحو 94 ألف مستثمِرة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وفق بيانات الهيئة. وفي الوقت نفسه، فقد ارتفع عدد المحافظ الاستثمارية الفردية إلى نحو 13.91 مليون محفظة بحلول نهاية الربع الثاني من العام ذاته، مما يشير إلى تنوع كبير في المحفظات واستراتيجية استثمارية نشطة لدى المستثمرين من الأفراد. ووفقًا للبيانات الإحصائية الصادرة عن الهيئة في الربع الأول من 2025، مثّلت المستثمرات النساء نحو 25.4 ٪ من إجمالي أصحاب المحافظ الفردية، بعدد يقارب 1.72 مليون محفظة نسائية، بزيادة سنوية ملحوظة. وتشير هذه الأرقام إلى أن المرأة السعودية لم تعد مجرد طرف اقتصادي هامشي، بل أصبحت لاعبا رئيسا في السوق المالي، مشاركتها تسهم في زيادة السيولة وتنويع قاعدة المستثمرين، وتعكس تحولًا اقتصاديًا وثقافيًا متزامنًا مع أهداف رؤية 2030، التي تسعى لتنمية سوق رأس المال وتعزيز الشمول المالي. تمكين المرأة يؤثر اقتصادياً بشكل مباشر تؤكد مها البراهيم، مستشارة مالية في أحد البنوك الوطنية، أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في رسم ملامح علاقة المرأة السعودية بالمال. تقول: "التمكين المالي للمرأة لا يقتصر على امتلاك دخل أو راتب مستقل، بل يتعلق بقدرتها على التخطيط واتخاذ القرارات المالية بثقة. اليوم، النساء لم يعدن مجرد متلقيات للمعلومات المالية، بل شريك أساسي في صياغة القرار داخل الأسرة. وتضيف البراهيم: "نلاحظ أن الكثير من السيدات يمتلكن القدرة على إدارة حساباتهن البنكية، والادخار، وحتى الاستثمار في منتجات مالية صغيرة أو عقارات بهدف العائد المستقبلي. لكن التحدي الأكبر يكمن في الدمج بين هذا الاستقلال المالي وبين ثقافة الأسرة التقليدية، حيث ما تزال بعض الأسر تفرض قيودًا على قرارات المرأة المالية، رغم امتلاكها الخبرة والوعي الكافيين. وتشير البراهيم إلى أن تأثير تمكين المرأة ماليًا يمتد إلى الاقتصاد الوطني: "حين تصبح المرأة شريكًا فاعلًا في إدارة المال، يزداد الوعي بالادخار، وتنمو الاستثمارات الفردية، ويتحسن التخطيط المالي طويل الأمد، وكلها عناصر تعزز الاستقرار الاقتصادي للأسرة والمجتمع. وتختم البراهيم بالقول: "التحوّل لم يكتمل بعد، لكنه واضح وملموس. الطريق أمام النساء لا يزال يحتاج إلى مزيد من البرامج التوعوية والتثقيف المالي، وعندما يتحقق ذلك سيصبح الاستقلال المالي للمرأة أمراً بديهيا وطبيعيا، وليس مجرد إنجاز يُحتفى به.