ظهرت نظرية التلقي في ستينيات القرن المنصرم، كردة فعل على البنيوية، ويعدّ كل من الناقدين الألمانيين ( روبرت ياوس) و(إيزر) المؤسسين لهذه النظرية، وتعنى بتجديد التواصل بين النص والقارئ، وقد طرحت مفاهيم خاصة عدة منها: دراسة كيفيات التلقي، والإنتاج والاستهلاك، والتأثير من النص إلى خيال القارئ، وتقوم على مرتكزات أهمها: القارئ (المتلقي)، وبناء المعنى، وأفق التوقعات أو أفق الانتظار. لا شك أن هذه النظرية تعد من النظريات الحديثة، ولكن المتأمل في تراثنا النقدي قد يجد بعض الإشارات التي تحيل إلى هذه النظرية. لم يحظَ التلقي في التراث العربي بالدراسة المباشرة، وإنما نلمح فيه إشارات هنا وهناك تسجل استجابة السامعين (المتلقين) وانطباعاتهم العفوية التي تخلو غالباً من التعليل والتحليل، وتزخر كتب إعجاز القرآن بنصوص تشرح تلقي السامع أو القارئ للنص القرآني، وقد عدّ الخطابي ما يحدث ذلك في نفس السامع وجهاً من وجوه الإعجاز. لقد كان المتلقي دائم الحضور في نقدنا القديم، وهذا الحضور يدفع بالشاعر إلى تجويد شعره وتثقيفه منذ مدرسة الصنعة الجاهلية عند زهير بن أبي سلمى ومن سار على نهجه، إلى مدرسة البديع عند أبي تمام وأشياعه في العصر العباسي، ولم تكن مدرسة الطبع ورائدها البحتري أيضاً بعيدة عن التشذيب والتهذيب الذي يضع في اعتباره السامع أو المتلقي. وقد تراوح تلقي الشعر بين الانطباع الذي يحكمه الذوق الفطري، والاستحسان الشخصي، ومن هنا فضّلت العرب أبياتاً من الشعر دون غيرها، فقالت: هذا أمدح بيت، وذاك أهجى بيت، وأغزل بيت... إلخ، وقد ولّدت المفاضلة بين المستويات الشعرية، أو الغرض الشعري، ما سمي عند النقاد بمصطلح (الطبقات)، فجعلوا الشعراء في طبقات، كما نلحظ عند ابن سلّام الجمحي في كتابه: طبقات فحول الشعراء، صنف على أساسها الشعراء المتماثلين في المستوى الفني، فجعلوا الأعلى إجادة قي الطبقة الأولى، تلي ذلك بقية الطبقات. ثم تجاوز النقد في مرحلة تالية هذا التصنيف إلى البحث عن أسباب المفاضلة فوحدوها في اللغة والأساليب والصور، فتخلصوا من سلطة الانطباع الأولي إلى التجرد الموضوعي، فكانت الموازنة والوساطة وغيرها من المصطلحات حاضرة في عناوين كتبهم. وقد اعتنى النقاد البلاغيون العرب بالمخاطب، دون المتكلم، باعتبار البلاغة عندهم هي مراعاة مقتضى الحال، ولكل مقام مقال، والحال عندهم هي حال المخاطب، فوجهوا عنايتهم إلى اجتذاب انتباه المخاطب وقد أشار إلى ذلك ابن رشيق عندما قال: " والفطن الحاذق يختار للأوقات وما يشاكلها وينظر في أحوال المخاطبين". ويمكن رصد عناية الشعراء والنقاد معاً بالتلقي من خلال إشارات كثيرة، منها العناية بمطالع القصائد التي وضعت أصلاً لتحقيق التأثير في المتلقي، وكذلك في عنايتهم بالاستهلال، لأنه يبقي الاتصال قائمة بين طرفي التلقي، وهذا ما يبرز من خلال الشروط التي وضعوها للمطالع، كأن تكون سهلة المأخذ بعيدة عن الغموض، صادرة عن ذوق مرهف، كذلك اشترطوا في خاتمة القصيدة المعنى البديع، وهذا ما أكده ابن رشيق عندما رأى أنه ينبغي أن يكون آخر بيت في القصيدة أجود بيت فيها، وأدخل في المعنى الذي قصد إليه الشاعر في نظمها. وهنا تبرز المهمات الملقاة على عاتق المرسل وهو أحد أركان نظرية التلقي الأساسية. وتحضر مفاهيم عدة في تراثنا النقدي تندرج ضمن ما يمكن تسميته في الاصطلاحات الحديثة بكسر أفق التلقي، وهذا ما يبرز في تناول التراثيين للاستعارة والمجاز والتشبيه، فهي المعاني الثواني التي تتطلب من المتلقي أن يتجاوز المعنى الأول لها في سبيل الوصول إلى المعنى الشعري الذي سيولد لديه ردود أفعال متعددة، تتمظهر من خلال النظر إلى اللغة المجازية على أنه خرق لقوانين اللغة وهذا ما يكسر أفق الانتظار عند المتلقي ويجعله يتمتع بالنص. لا شك أن قراءة النقد التراثي قراءة فاحصة بعيدة عن التعصب الأعمى، وبعين معاصرة منصفة ستجعلنا نحتفي بكثير من قضاياه، ونضعها في سياقها النقدي المعاصر الذي يغني ويثمر ويثير مكامن الجمال فيها، وهذا ما نحتاجه من باحثينا الجدد المسلحين بثقافة العصر وثقافة التراث.