زاد وباء كورونا من مساحة التباعد. هذا التباعد تباعد إيجابي للوقاية من الوباء ومنع انتشاره، ومن نعم الله أن الإنسان تمكن بواسطة التقنية من إيجاد بديل تمثل في التعليم عن بعد، والعمل من البيت، واللقاءات العائلية والاجتماعية عن بعد. هذه الحياة عن بعد هي حلول مؤقتة لأن العلاقات الإنسانية لا تعيش عن بعد ولكنها حالة مؤقتة حتى يزول الخطر بإذن الله. أما حكاية السفر عن بعد فهي لا تفي بالغرض، ولا يمكن أن تكون بديلا للسفر الحقيقي. تعرض بعض برامج التسويق السياحي أفلاما سياحية تنقلك من بلد لآخر بمحتويات ومناظر جاذبة تفقد المشاهد لذة الاكتشاف. حالة تشبه من يقترح عليك مشاهدة فيلم أو مسلسل ويخبرك بكل تفاصيله. في السفر، أبحث عن التغيير، تغيير المكان، تغيير البرنامج اليومي، تغيير الطعام. أريد أن أتحدث مع سائق سيارة الأجرة، وأركب الحافلة، وأدخل الشوارع الضيقة في الأحياء القديمة. أريد أن أتعرف على أهل البلد ولغة البلد وأحوال البلد. أبحث عن مواقع ومعالم سياحية، أتعرف على الإنسان والثقافة والحياة الاجتماعية. أكتشف المطاعم، أتحدث مع النادل، أدردش مع الموظف على باب الفندق، قد يتحول إلى صديق، أزور الأسواق، أقرأ عن البرامج السياحية، أستمتع بفطور الفندق مع جماعة الصباح، أمارس رياضة المشي، أجرب وسائل النقل المختلفة. كل ما سبق وأكثر -وهذا أمر بدهي- لا يمكن أن يتحقق عن بعد، ولكني في زمن كورونا أحلم أنني مسافر إلى بلد لم أزره من قبل، ولم أسأل أحدا من زائريه، ولو فعلت وحصلت على كافة المعلومات عن هذا البلد فسوف أشعر بأنني سافرت عن بعد، وهذا غير كاف بالنسبة لي، لكنه مجرد حلم أستيقظ منه على صوت كورونا. في زمن كورونا تعطلت أشياء أهم من السفر. الطريف في السفر هو أنه متعة أو هواية لكثير من الناس في كل بلاد العالم، وأن المدن السياحية الجميلة يغادرها أهلها إلى مدن أخرى في دول أخرى للتغيير ومتعة الاكتشاف. هذه المتعة تجعل المحب للسفر يتجه في كل مرة إلى بلد جديد، أو مدينة في بلدة لم يزرها من قبل. ومهما توفر في البلد الذي يعيش فيه الإنسان من عوامل جذب سياحية، فإن السفر إلى بلد آخر ظاهرة إنسانية وعالمية بحثا عن طبيعة مختلفة وثقافة مختلفة وطعام مختلف وفعاليات مختلفة. كورونا يقرر، تعرف على بلدك أولا ثم فكر في السفر إلى بلد آخر.