كل يغني على ليلاه، وليلى لا تسمع هذا أو ذاك، بل تمضي قدماً في طريق ثالث. فلا «ضنكاً» رأت، أو «عفاريت» سمعت، أو ل «جزيرة» أصغت، أو شماريخ حرقت، أو رباعيات أثرت. كذلك لا لمقاومة رضخت، أو لعناد أذعنت، أو لضغوط سلمت. كما أنها - رغم تواتر العناترة - تمسكت بالمدنية، واستوثقت بالوطنية، ومالت إلى المصرية، وفضلت الانتظار على الاستعجال، فكان لها الاستمرار رغم أنوف المغنين المستمرين في الغناء، كل على ليلاه. ليل القاهرة أول من أمس شهد استمراراً لعناترة الإرهاب واستئنافاً لأباطرة الدماء. اعتداء جديد على مكمن أمني على طريق القاهرة - السويس لم يسفر فقط عن شهيد ومصابين، لكنه أسفر عن بيان وتوضيح، بالإضافة إلى استبيان وتوكيد. فدعوات القواعد المبعثرة يميناً ويساراً، ودعوات الكوادر غير المؤهلة شرقاً وغرباً، وأصوات الدعائم المثبتة شمالاً وجنوباً ما زالت تؤتي ثماراً، والمواطنون ماضون قدماً نحو مزيد من الفهم ووفير من الإدراك. وقد أدركت قواعد الجماعة التي تخرج في مسيرات عشرية تلوح بأكف ربعاوية وتنادي بهتافات لوذعية تطالب بخروج «مرسي» إلى الحكم ووقوع مصر في الفخ وانضمام البلاد إلى دولة الخلافة شأنها شأن جاراتها، البعيدات منها والقريبات، أن «ليلاهم» هجرتهم، وأنهم يغنون «ظلموه» منذ زمن من دون أن يدركوا. فحين أدركت القواعد أن كوادرهم المتمتعة بدفء الاستضافة وكرم الضيافة في الخارج قد أُنهيت فقرة غنائهم على ليلاهم عبر الحدود، في ذات التوقيت الذي انتهت فيه غناء من هم عبر الحدود على ليلاهم المتمثلة في مصالح إقليمية وأخرى دولية ومطامع سلطوية وأخرى خلافية، تحول الغناء على ليلى الخلافة إلى ندب في ليلة الإجلاء. قرار إجلاء أو إبعاد عدد من قيادات الجماعة من قطر خضع لبكائيات فايسبوكية قاعدية ليلية، وتبريرات كوادرية إخوانية صباحية، وربكات تخطيطية تنظيمية دولية على مدار اليوم، لا سيما وإن «ليلى» الجماعة تمر بمحنة وجودية لم تكن على البال أو الخاطر، حيث دعم غربي كان مؤمّلاً في «الإسلام الوسطي» ليكون شوكتها في الشرق الأوسط الجديد، ودفع إقليمي كان متوهماً في حليف إخواني في المحروسة ليكون وتد خلافتها الضائعة منذ قرون أو سلطتها الجائرة المكتسبة قبل قليل. «قليل من البكاء لا يضر. لكن إياكم واليأس»! هكذا نبه شاب إخواني «الأخوة» و»الأخوات» عبر أطلال صفحة «التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب» داعياً إياهم إلى التغلب على أحزانهم والانتصار على أوجاعهم، مذكراً إياهم بأنه وعدداً من «الأخوة» لم يكونوا يوماً من أنصار المسيرات «السلمية» أو الإبداعية الثورية أو المناورات السياسية، حيث «لم يعد هناك سوى القوة لاستعادة الشرعية، حتى وإن تقاعس أصحاب الشرعية أنفسهم»، في إشارة على ما يبدو إلى كوادر وقادة الجماعة. كوادر وقادة الجماعة التي لم تدبر أمرها قط، ولم تحزم حقائبها بعد تغني على ليلاها الواقعة تحت ضغط. فمن جهة، ورغم أن أرض الله واسعة، وما دائم إلا الله، وتركيا ما زالت مرحبة، وبريطانيا لم تصدر قرارها، إلا أن بياناً كالصادر عن عضو المكتب التنفيذي لحزب الحرية والعدالة الإخواني الدكتور عمرو دراج اعتبره بعضهم «نواحاً» على ليلى. ووفق البيان فإنه «حتى نرفع الحرج عن دولة قطر، التي ما وجدنا فيها إلا كل تقدير وترحاب، استجابت بعض رموز حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين الذين طلب منهم نقل مقر إقامتهم خارج الدولة»، مثمناً دور قطر في «دعم الشعب المصري في ثورته ضد الانقلاب». كلمة «انقلاب» لا ترد في أنشطة «ضنك» الحركة الإخوانية الوليدة والتي تتسلم شعلة الحراك الإخواني من سلفها «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، حيث غناء على «ليلى» الغلابة. ويبدو أن دخول الفعاليات الإخوانية الشارعية في مرحلة موت سريري حالك دفعت القواعد إلى الدق على أوتار أخرى لعل «ليلى» ترتدع، بعدما ثبت أنها لن تستجيب. محاولات عنكبوتية لإشعال غضب الفقراء، وتأجيج حنق المطحونين، ودق أوتاد اليأس، وزرع بذور الفرقة أملاً بأن تنقلب «ليلى» على أحوالها وتضرب عرض الحائط بأحلامها وتثور على النظام الجديد لتعود اللعبة إلى المربع صفر، حيث الشاي والسكر والزيت ومعها الجنة وحور العين بديلاً من إجهاض مشروع النهضة وإفساد فرحة الجماعة. لكن الجماعة التي كادت تقضي على ليلاها، بعدما فشلت في الغناء عليها، ساهمت في تسليط الضوء وتوضيح الصورة إقليمياً وكذلك دولياً. ف «ليلى» على المستوى الدولي ما زالت واقعة تحت ضغط رؤية غربية لا تراها إلا مرتدية زي الشرق الأوسط الجديد، بخطوط فاصلة محدثة، وعرقيات بعينها مشرذمة، وقوى دوناً عن غيرها مبعثرة وأخرى مهندسة عسكرياً. وبعين ملؤها الترقب وقوامها التوجس تنظر «ليلى» إلى تحالفات يجري تشكيلها وضربات يسري تجهيزها و»داعش» تخطف القلوب وجلاً وتعمي الأفئدة هلعاً وهي في حيرة من أمرها. فإذا كانت أميركا تبكي على ليلاها الضائعة في الشرق الأوسط الجديد، وقوى إقليمية تنعى حظ ليلاها في حلم خلافة بعيد، ودول عربية ترزح ليلاها تحت حلم ثوري سحيق، وجماعات دينية تلملم أوراق ليلاها بعد إجلاءات فجائية وبعثرات دولية وتشرذمات داخلية، فإنه من باب أولى أن يلتفت المصريون إلى «ليلاهم» رغم أنوف ليالي الآخرين.