الوعي والإدراك    استعراض تقرير "الاتصالات" أمام نائب أمير نجران    الانتماء والحس الوطني    التحول في القطاع العقاري يرتكز على رفع الكفاءة ووضوح الإجراءات    إنهاء برنامج التخصيص بعد تنفيذ واستكمال أعماله ومبادراته    بدء موسم «تخفيضات رمضان» في المنشآت التجارية والمتاجر الإلكترونية    الجيش الإسرائيلي يواصل خروقات وقف إطلاق النار في غزة    مليونا ضحية أوقعتهم حرب أوكرانيا    بوتين يؤكد دعم جهود الشرع ووحدة الأراضي السورية    أبها يعزز صدارته.. والعروبة يزاحم الدرعية    الهلال يجدد عرضه لميتي    سعود بن بندر يشدد على العمل التكاملي بين الجمعيات    الصداقة لا تربي    "السجون" و"عمارة المساجد" توقعان مذكرة تعاون    84 طالباً يفوزون بجوائز الأولمبياد الوطني    وزير الشؤون الإسلامية: ولي العهد مثال يحتذى به في القوة والشجاعة والعزيمة    الثقافة السعودية في واجهة الاقتصاد العالمي بدافوس    الشخصية المثمرة    نفتقد قلم الإبينفرين    «صحي المجيدية» يطلق «نحياها بصحة»    "سلامة المرضى" يناقش توجهات الرعاية الآمنة    لتعزيز الإنتاج العلمي والتبادل المعرفي.. «السيبراني» يشارك في الأولمبياد الوطني«إبداع»    ميتا تعلن اشتراكات مدفوعة لمنصاتها    يقتل شقيقه أثناء تشييع جثمان والدتهما    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تُحبط تهريب (268) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    ترقية (1031) فردًا في المديرية العامة لمكافحة المخدرات بمختلف الرتب    إنقاذ «مهاجر غير شرعي» في المتوسط    برعاية أمير المنطقة.. نائب أمير مكة يطلق 17 مشروعاً تطويرياً في المدن الصناعية    انطلاق هاكاثون «علوم الطوارئ » في فبراير المقبل    الأفلام السعودية إلى العالم عبر«لا فابريك-المصنع»    «الفيصل»: 50 عاماً من صناعة الوعي الثقافي    سمو ولي العهد يستقبل البروفيسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025    زياد الجهني: نسعى لإسعاد جماهير الأهلي بلقب الدوري    الملاك السعوديون يحصدون مزاين «المجاهيم» و «الوضح».. فهد بن جلوي يتوج أبطال «الجذاع» بمهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن    في الجولة ال 19 من دوري روشن.. الهلال في اختبار القادسية.. والنصر ضيفاً على الخلود    في الجولة الختامية لمرحلة الدوري في يوروبا ليغ.. 11 مقعداً تشعل مباريات حسم التأهل لدور ال 16    تعادل الرياض والنجمة إيجابياً في دوري روشن للمحترفين    توقيع برنامج تنفيذي سعودي-صومالي لتفعيل التعاون في المجالات الإسلامية    السعودية في مواجهة الإرهاب رد بالوقائع لا بالشعارات    وكيل وزارة التعليم للتعليم العام يفتتح ملتقى نواتج التعلم «ارتقاء»     أمير حائل يُرحِّب بضيوف رالي باها حائل تويوتا الدولي 2026 من مختلف دول العالم    ما هو مضيق هرمز ولماذا هو مهم جداً للنفط؟    الشؤون الإسلامية بجازان تُهيّئ جوامع ومساجد محافظة ضمد لاستقبال شهر رمضان المبارك 1447ه    إطلاق برنامج «نور» وتكريم 95 دارساً.. الأحساء تحتفي بمحو الأمية    سانوفي تفوز بجائزة التوطين في قطاع الصحة السعودي    إطلاق بوابة "السجل العقاري - أعمال" لتمكين القطاع الخاص من إدارة الثروة العقارية    جامعة أمِّ القُرى شريك معرفي في ملتقى المهن الموسميَّة لخدمة ضيوف الرحمن    وافق على نظام حقوق المؤلف.. مجلس الوزراء: دعم «مجلس السلام» لتحقيق الأمن والاستقرار بغزة    سمو وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع بدولة الكويت    المبرور    إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول ثلاثة توائم ملتصقة إلى الرياض    7 أطعمة صحية تدمر جودة النوم ليلاً    نحن شعب طويق    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    مجلس الوزراء يوافق على نظام حقوق المؤلف    النسيان.. الوجه الآخر للرحمة    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سياسة واشنطن عادت الى "جيوبوليتيك" القرن التاسع عشر أميركا على المسارالامبريالي القديم استعمار جديد قبل وصول "البرابرة" !
نشر في الحياة يوم 12 - 01 - 2004

ثلاثة تطورات بارزة بدت انها تمسك بخناق بعضها بعضا، وتتمحور كلها بالصدفة حول مسألة واحدة: الاستراتيجية النفطية - العسكرية الاميركية في الشرق الاوسط.
التطور الاول، كان الوثيقة السّرية التي أفرجت عنها الحكومة البريطانية، وفق القانون البريطاني الذي يسمح بنشر الوثائق المصّنفة بعد مرور ثلاثين عاما.
في هذه الوثيقة نقرأ لجيمس شليسينغر، وزير الدفاع في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون العام 1973: "من الواضح انه كانت هناك طيلة سنين عدة، قيود عامة على السياسة الخارجية الاميركية، خصوصاً حول استخدام القوة الكاملة للولايات المتحدة. هذه القيود ما زالت قائمة، لكن لم يعد من الواضح ان اميركا لن تستخدم قوتها العسكرية".
وتشير الوثيقة الى أن كلمات شليسينغر هذه جاءت في اطار استعدادات عسكرية اميركية في ذلك الحين لاحتلال منابع النفط في ثلاث دول خليجية عربية، في حال استمر حظر النفط العربي.
وفيما بدا أنه "عودة الى المستقبل"، رسمت الوثيقة صورة متطابقة بين الماضي الذي مثلّه شليسينغر ورئيسه ريتشارد نيكسون وبين الحاضر الذي يتربع على عرشه الان دونالد رامسفيلد ورئيسه جورج بوش، حين نقلت الملاحظات الاتية لوزير الدفاع الاميركي الاسبق قبل ثلاثة عقود:
"واشنطن لا تستبعد القيام ب"حروب استباقية" ضد بعض الحكومات العربية. وكما هو معروف "الحروب الاستباقية" مبدأ اعلنه الرئيس بوش العام 2002، ليحل مكان مبدأ "الردع والاحتواء" القديم.
وهي ستفعل ذلك، لانها لن تقبل أن تكون مع حلفائها تحت رحمة مجموعة صغيرة من الدول غير الموزونة.
كما انها لن تقبل بعد الآن الخضوع لتهديدات من جانب بلدان متأخرة وقليلة السكان.
التطور الثاني كان بريطانيا أيضا، وجاء بعد أيام قليلة من نشر الوثيقة السّرية. وتمثّل في المعلومات المثيرة التي نشرها وزير البيئة البريطاني السابق مايكل ميتشر، في اطار الدعوة الى "التخطيط من الآن لعالم بلا نفط".
فهو قال أن انتاج نفط بحر الشمال الذي وصل الى ذروته العام 1999 مع ضخ 9.2 مليون برميل يوميا، مرشّح الآن للتراجع الى 6.1 مليون برميل يوميا قبل حلول العام 2007. والأمر نفسه سينطبق على انتاج أوبك الذي يتوقع أن يصل الى ذروته العام 2020 نحو 40 - 50 مليون برميل، وعلى نفط الاتحاد السوفياتي السابق وبحر قزوين الذي سيبلغ الذروة قبل 2010.
وهو قال أن العالم يتمتع الآن بانتاج نفطي يومي يبلغ 75 مليون برميل. لكن تلبية الحاجات في العام 2015، ستتطلب اكتشاف حقول جديدة تضخ 60 مليون برميل اضافية. وهذا في رأيه أمر مستحيل، لانه يتطلب ما يوازي عشر مناطق جديدة كل منها بحجم احتياط بحر الشمال. قد تستطيع الاستثمارات الجديدة في العراق أن تجعل هذا البلد يضخ ستة ملايين برميل يوميا، وكذا الامر بالنسبة الى الدول العربية الاخرى. لكن بقية العالم لن تستطيع حتما انتاج 40 مليون برميل يوميا.
كل هذا سيؤدي، وفق ميتشر، الى كارثة نفطية كبرى في الفترة بين 2010 و2015 وربما حتى قبل ذلك. وهذا بالطبع سيكون أمراً مأسوياً بالنسبة الى الحضارة الغربية برمتها، لأن 90 في المئة من وقود الاتصالات، ومعه وقود الصناعات الدفاعية والزراعية، يعتمد على النفط.
والحل؟ يكمن، في رأيه، في التحّول سريعا الى بدائل الطاقة المتجددة. بيد انه يعترف وهنا بيت القصيد بأن الولايات المتحدة، التي تستهلك ربع طاقة العالم، والتي سيرتفع استيرادها من 11 مليون برميل يوميا الآن الى 5.18 مليون العام 2020، ليست في وارد لا البحث عن طاقة جديدة ولا الاقتصاد في استهلاك الطاقة القديمة. انها انحازت، بدلا من ذلك، الى ما أسماه خيار "السيطرة المباشرة على إمدادات النفط الباقية، بالقوة العسكرية إذا تطلب الامر. وهذا ما جعل السياسة الاميركية ترتدي في عهد بوش الابن حلة استراتيجية نفطية - عسكرية مندمجة".
حروب الموارد
ماذا تعني بالتحديد إشارات الوزير البريطاني حول الاستراتيجية النفطية - العسكرية؟ سنأتي الى هذه النقطة بعد قليل. لكن قبل ذلك فلنر ما يحمله التطور الثالث.
صاحب هذا التطور هو الكاتب الاميركي ريتشارد هاينبيرغ، أستاذ الثقافة والبيئة والمجتمع المستدام في جامعة كاليفورنيا.
فقد نشر هاينبرغ أخيراً كتاباً بعنوان "النفط، الحرب، ومصير المجتمعات الصناعية"، أقام الولايات المتحدة ولماّ يقعدها بعد. لماذا؟ لأنه تجرأ على قول ما تحظر الشركات العملاقة الاميركية، ومعها الإدارة الاميركية، قوله: المجتمعات الصناعية الغربية ستواجه الهلاك خلال فترة قصيرة، ما لم تعمد سريعا الى تغيير نمط انتاجها: من التنافس الى التعاون، ومن الاستهلاك اللامحدود للطاقة الى الانتاج المحدود للسلع.
وكما مع الوزير البريطاني، يقول المؤلف الاميركي أن كل الدلائل يشير الى أن الانتاج العالمي للنفط يقترب من ذروته التاريخية. وهو ينسب الى مايك باولين، رئيس شركة "اركو" قوله في العام 1999: "بدأنا الدخول في بداية الايام الاخيرة للنفط".
ويشدد هاينبيرغ على النقاط الآتية:
- الدول الصناعية خلال القرنين الماضيين عوّدت نفسها على الفرضية بأن الوقود الاحفوري، الذي كان أرخص وأكفأ طاقة في التاريخ البشري، سيكون متوافرا دوما. وعلى أساس هذه الفرضية، بنت نظاما اقتصاديا أقنع نفسه بأن النمو الاقتصادي الدائم أمر عادي وطبيعي وسيدوم الى الابد. لكن، حين يصل انتاج النفط الى ذروته، ستتحّول هذه الافتراضات الى أشلاء.
- اذا افترضنا أننا وصلنا الى ذروة الانتاج النفطي العالمي في الفترة بين 2006 و2015، وأن هناك نحو 2 في المئة انخفاضا في الطاقة المتوافرة للمجتمعات الصناعية كل سنة، وأن طاقة الشمس والريح لا توّفر سوى 1 في المئة من الحاجات فيما الطاقة النووية ملعونة بيئيا، ومعها طاقة الهايدروجين، فإن هذه المجتمعات ستصل الى مرحلة ركود ثم كساد اقتصاديين حتميين.
- هذا اضافة بالطبع الى أن الذروة النفطية ستؤثر بقوة على العلاقات الدولية. إن الحروب على موارد الطاقة ليست بالامر المستجد، وهي موجودة منذ فجر التاريخ. ومعظم حروب القرن العشرين كان سببه الموارد الطبيعية، خصوصاً النفط. بيد ان كل هذه الحروب وقعت في مرحلة كان يزدهر فيها استخراج الموارد من الارض، في حين ان العقود المقبلة ستشهد ازدياد التنافس على موارد الطاقة المتلاشية، ما سيجعلها أكثر الحروب تدميرا في التاريخ.
- بما ان الولايات المتحدة هي أكبر مستهلك للنفط في العالم ومركز الامبراطورية الصناعية العالمية، الممتلكة لأضخم ترسانة أسلحة في التاريخ، فإن حاجتها للطاقة ستلعب الدور الرئيس في تشكيل الجغرافيا - السياسة للقرن الجديد. لا بل يبدو ان المصالح النفطية الاميركية الكبرى، باتت بالفعل منذ الآن في قلب الاستراتيجية الجيو - سياسية للادارة الحالية.
عودة الجيوبوليتيك
كيف تترجم هذه التطورات الثلاثة نفسها على شاشة رادار الاستراتيجيات الاميركية؟
أي تدقيق سريع في حيثيات الوثيقة التاريخية البريطانية ومعها مقال ميتشر وكتاب هاينبيرغ، يكشف مدى التشابك بينها. فالماضي في الوثيقة الاستعدادات الاميركية لغزو دول الخليج يتطابق كليا مع الحاضر الغزو الفعلي للعراق. والحاضر في المقال والكتاب بدء تقلّص موارد الطاقة، يتقاطع مع المستقبل الخطط الاميركية للسيطرة على هذه الموارد بالقوة.
والترجمة العملية لهذا التشابك وذلك التقاطع، هو عودة الولايات المتحدة الى ممارسة السياسات الجيوبوليتكية الجغرا - سياسية القديمة.
وكما هم معروف، تعبير "الجيوبوليتيك" ينتمي الى حقبة غابرة. الى أواخر القرن التاسع عشر. وهو يعني التنافس بين الدول الكبرى، والدول النازعة لان تكون كبرى، للسيطرة على الاراضي، والموارد الطبيعة، والمواقع الجغرافية المهمة، مثل الاقنية والممرات والبحار وانظمة الانهار وباقي الموارد المتعلقة بالثروة والنفوذ.
اضافة، "الجيوبوليتيك" أسلوب في التحليل كان شهيرا منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الجزء الاول من القرن العشرين، وهو سيطر على جميع مدارس ونظريات العلاقات الدولية.
بالنسبة الى الولايات المتحدة، هيّمن هذا التوّجه على التفكير السياسي الاميركي منذ عهد تيدي روزفلت، وأدى الى القرار بتحويل الولايات المتحدة الى امبراطورية. وترجم هذا نفسه بالحرب الاميركية الاسبانية واحتلال الفيليبين، اللتين تلاهما سريعا الاستيلاء على بنما لأسباب جيوسياسية علنية.
خلال الحرب الباردة اختفى هذا التوّجه الى حد ما، لمصلحة نموذج التنافس الايديولوجي. بيد أن هذا كان على السطح فقط. إذ تحت العمق قليلا كانت التوجهات الجيوسياسية الاميركية واضحة للعيان، وهي تجسّدت في السعي الاميركي المبّكر للسيطرة على الشرق الاوسط ونفطه. هذا كان في أساس مبدأ ترومان، ثم مبدأ أيزنهاور، ثم مبدأ كارتر.
ويقول البروفسور الاميركي مايكل كلير أن العالم يشهد هذه الايام عودة أميركية صاخبة الى فلسفة الجيوسياسة. لا بل لا سبيل، في رأيه، لفهم ما جرى أخيراً في العراق وأماكن اخرى، الا عبر هذا المنظور الجيوسياسي.
الهدف الاستراتيجي لهذه العودة هو السيطرة على قارة أورو - آسيا أو اوراسيا، التي وصفها السير البريطاني هافورد ماكيندر بأنها "قلب العالم المتحّضر". ومن يسيطر عليها يسيطر على كل العالم، بسبب تركّز السكان والموارد والطاقة الصناعية فيها. وهكذا فإن السياسات العالمية ليست شيئا آخر سوى السابق للسيطرة على هذه القارة.
وبالطبع، لم تتأخر الولايات المتحدة في صوغ الاستراتيجيات التي تساعدها على الفوز في هذا السباق. ففي العام 1992 أقر البنتاغون وثيقة أعدّها بول ولفوفيتز، تدعو الى التدخل العسكري الاميركي الفعاّل لمنع قيام أي منافس للولايات المتحدة في قارة أوراسيا. وحين وصل الرئيس جورج بوش الابن الى السلطة، سارع الى تبنّي هذا التوّجه، وجعله في أساس "استراتيجية الامن القومي الاميركي" التي صدرت في أيلول سبتمبر 2002. وتوضح هذه الاستراتيجية بشكل علني أن الهدف النهائي للولايات المتحدة هو منع بروز أي قوة او تحالف قوى منافسة لها. وهي ستستخدم كل الوسائل الضرورية لمنع حدوث ذلك، بما في ذلك شن الحروب الاستباقية إذا تطلب الامر، وإنفاق اموال على الدفاع أكثر من كل القوى الاخرى المنافسة مجتمعة.
الجديد في الاستراتيجية الجديدة انها نقلت التركيز الاميركي من المناطق الاوروبية والآسيوية الشرقية من أوراسيا باعتبارها في الجيب الاميركي، الى مناطق جنوب ووسط أوراسيا التي تضم الخليج العربي، الذي يحتوي على ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط، وحوض بحر قزوين، الذي يمتلك حصة لا بأس بها من البترول، والدول الاخرى المحيطة بهاتين المنطقتين.
هذه هي بؤرة الصراع العالمية الجديدة. وهذه هي المنطقة التي تبدو الولايات المتحدة مصممة كل التصميم على السيطرة المباشرة عليها، تمهيدا لاحكام هيمنتها على كل قارة أوراسيا.
هذا التوّجه الأميركي بدأ قبل احداث 11 أيلول سبتمبر 2001. كل ما هناك ان هذه الاحداث سرعت العملية ومنحتها غطاء شعبيا. فالرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون هو الذي دشّن الروابط العسكرية مع كازاخستان واوزبكستان وجورجيا وأذربيجان، وهو الذي بنى القوة العسكرية الاميركية للتدخل في منطقة الخليج العربي/ بحر قزوين. والحال أن الانتصار الاميركي في العراق ليس انتصارا لوولفوويتز ورامسفيلد بل لكلينتون.
ويشدّد كلير هنا على ان حرب العراق "كان هدفها منح الولايات المتحدة وضعا مهيمنا في منطقة الخليج، يخدم كنقطة انطلاق نحو مزيد من الغزوات وتأكيد النفوذ والقوة في المنطقة. وبهذا المعنى، فإن حرب العراق كانت موجّهة ضد الصين وروسيا واوروبا، وبالقدر ذاته استهدفت فيه العراق وسورية وإيران. انها كانت جزءا من عملية أكبر لتأكيد الهيمنة الاميركية على جنوب وسط أوراسيا، ومن ثم على كل اوراسيا".
أما لماذا الخليج/ قزوين بالتحديد، فلأن هاتين المنطقتين، ببساطة، تحتويان على معظم المخزون النفطي العالمي، ولأن الصين بعد عشر سنوات ستكون معتمدة كليا على البترول الخليجي القزويني، وكذا الامر بالنسبة الى أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية.
اضافة الى أن الخليج/ قزوين هي المنطقة الوحيدة في العالم التي تتصادم فيها مصالح القوى الكبرى: اميركا وروسيا والصين.
أمبريالية وامبراطورية
جيوسياسة النفط والموارد والمواقع، إذاً، هي الاسم القديم الحقيقي للعبة الاميركية الجديدة في الشرق الاوسط الكبير.
لكن اليساريين الاميركيين المتخندقين في دوريتي "مونثلي ريفيو" و"نيو لفت ريفيو" يمتلكون اسما جديدا لهذه اللعبة القديمة: الامبريالية الجديدة، او الامبراطورية الجديدة.
والمثير هنا أن اليمين الاميركي الذي كان يعتبر تعبيري الامبريالية والامبراطورية قبل العام 1979 مجرد "شتيمة ايديولوجية" لا قيمة علمية لها، لم يعد يمانع في الترحيب بهما. وهكذا نشر مايكل اغناتييف، استاذ سياسة حقوق الانسان في هارفارد، مقالا في "نيويورك تايمز ماغازين" في 28 تموز يوليو الماضي قال فيه: "الامبريالية كانت توصف بأنها عبء الرجل الابيض، وهذا ما أعطاها سمعة سيئة. بيد أن الامبريالية لا تتوقف عن كونها ضرورية، لمجرد انها خاطئة سياسياً".
وأضاف: "أن افراد القوات الخاصة الاميركية في أفغانستان ليسوا عمالا اجتماعيين. انهم فرق امبراطورية تنفذ سياسات امبراطورية".
وهكذا ايضا، كتب جون ايكنبري استاذ الجيوسياسة في جامعة جورجتاون، في "فورين أفيرز": "الآراء السائدة الآن في ادارة بوش، تعتبر في صيغتها المتطرفة رؤية نيو - امبريالية تعطي بموجبها الولايات المتحدة لنفسها حق تحديد المعايير، وتعيين الاخطار، واستخدام القوة، وفرض العدالة".
والمثير هنا ان ايكنبري لم يهدف الى انتقاد هذه النزعة النيو - امبريالية، إذ يضيف: "ان اهداف اميركا الامبراطورية، أكثر محدودية وليونة بكثير من أهداف الاباطرة القدماء".
وينسج على هذا المنوال نفسه العديد من الشخصيات اليمينية الاميركية. فسباستيان مالابي اعتبر ان الامبريالية الجديدة "نزعة لا تقاوم بالنسبة الى ادارة بوش". وماكس بوت قال ان "أميركا تواجه الآن احتمال القيام بعمليات حربية في العديد من الاراضي نفسها التي قاتل فيها الجنود الاستعماريون البريطانيون".
الآن، واذا ما كانت الاحاديث الامبريالية على هذا النحو من الوضوح على جبهة اليمين، فهل سيكون مستغربا بعد ذلك ان ينفض اليسار الماركسي والراديكالي الغبار عن نظريات الامبريالية التي تعود بجذورها الى لينين وروزا لوكسبورغ؟
كلا بالطبع. وهذا ما تم بالفعل.
فقد أعيد التداول على جناح السرعة بكتاب هاري ماغدوف الشهير "الامبريالية من عصر الاستعمار وحتى اليوم"، الذي صدر العام 1969، والذي أكد فيه هذا الاقتصادي اليساري الاميركي مقولة لينين بأن "الامبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية" الاحتكارية.
وحدد ماغدوف سمات الامبريالية الجديدة بالآتي:
- التوسع الدائم - اي تراكم رأس المال - هو القوة الدافعة لها. انه جوهرها. فالرغبة في استغلال مصادر الامم الاخرى، والحاجة الى ذلك من اجل عملية التراكم، موجودتان في جميع مراحل التطور الرأسمالي.
- أن أصول الرأسمالية كنظام عالمي هي التي حددت بنيتها وأثرت بقوة في مجمل مسار تطورها.
- الامم الرأسمالية طعّمت باقي أجزاء العالم بنمط انتاجها.
- الامبريالية تعيد توزيع العمل على المستوى العالمي، وتخلق هرمية تجعل الجميع معتمدين ماليا واقتصاديا على قلة من المراكز الصناعية والمصرفية.
ويلخّص جون بيلامي فوستر، وهو يساري اميركي آخر، وجهة نظر اليساريين من مسألة الأمبريالية على النحو الآتي: "مونثلي ريفيو" تشرين الثاني/ نوفمبر 2002: "إن إعادة اكتشاف الامبريالية من جانب الطبقات الحاكمة الاميركية، لا تعني الا أنه بات من المحتم قيام الولايات المتحدة بانتهاج المسار الامبريالي. بيد ان مصير الامبريالية الاميركية لن يكون مختلفا عن مصير الامبراطوريات السابقة على يد من هم في الداخل وعلى يد "البرابرة" على أبوابها".
على أي حال، وسواء أطلقنا على التوجهات الاميركية الجديدة في الشرق الاوسط اسم الجيوبوليتيك، او الامبريالية، او الامبراطورية، فالأمر سيان والمحصلة واحدة: انبعاث الروح في الشبق الاستعماري السابق لاحتلال منابع النفط، والسيطرة على جغرافيا الشرق الاوسط الكبير، وإعادة كتابة تاريخه من جديد.
لكن، وإذا ما كانت الصورة على هذا النحو، كيف يمكن ان نفسّر أطنان التصريحات والبيانات الاميركية التي تركز كلها على أن واشنطن تنوي اعادة رسم خرائط الشرق الاوسط، ليس من أجل عيون النفط، بل من أجل خاطر الديموقراطية والحريات والمثل العليا؟
ادارة متعجرفة
لندع المفكر الاميركي نعوم تشومسكي يجيب على هذا السؤال.
ففي كتاب جديد بعنوان "الدول المارقة: حكم القوة في الشؤون الدولية"، يقدّم تشومسكي تشريحا موضوعيا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، يعدّ واحدا من أنجح أعماله الفكرية على مستوى التحليلي البنيوي للفكر الأميركي السياسي المعاصر.
وهو يسّجل الملاحظات المهمة الآتية:
أميركا، وفي اطار حال الخمول الجماعية التي تخيّم حاليا على الساحة الدولية، تطلق ما يسميه هو الأكاذيب التي تسعى الى حمل العالم على تصديقها، خصوصا ما يتعلق منها بحملات الدعاية المنظمة حول الديموقراطية وحقوق الانسان التي يشبهها الكاتب ب"الشرور الآثمة". ويسعى تشومسكي، في هذا السياق، الى إبراز محاولات الولايات المتحدة للسيطرة على العالم بالاكراه والتهديد على نحو أحادي الجانب يهّدد المصالح الدولية. كما يسعى الى اماطة اللثام عن الجانب المتعجرف في شخصية الادارة الأميركية الحالية بشكل يتجاوز كل الحدود المعقولة، مستغربا كيف تسمح وسائل الاعلام الأميركية بتسويق هذه الصورة غير الأخلاقية للولايات المتحدة.
وفي الوقت عينه، لا يتردد تشومسكي في نقد أسس الأحادية الأميركية التي تشكل بدورها لب النظام السياسي للولايات المتحدة اليوم. ويبرز كيف تقوم هذه الأخيرة بمؤسساتها الصناعية والاقتصادية الضخمة بما يسميه "اعادة استعمار العالم".
ويعرض الكاتب صورة موثّقة لما يصفه ب"قلة الاحترام" التي تبديها الولايات المتحدة حيال القانون الدولي وحقوق الانسان، الأمر الذي يتناقض تماما مع الخطاب الرسمي للحكومة الأميركية. ويؤكد أنّ أيّ شخص يعتقد بأنّ للولايات المتحدة سجلا ثابتا في الدفاع عن حقوق النسان والديموقراطية والحرية حول العالم، ينبغي عليه أن يراجع معلوماته في هذا المجال، لأنّ حقيقة السياسة الاميركية هي عكس ذلك تماما.
ويتناول الكتاب، بشيء من التركيز، السياسة الخارجية التي كانت تنتهجها ادارة الرئيس السابق كلينتون، مؤكدا أنّ السلوك الأميركي في هذا الاطار لا يزال على ما هو عليه في عهد بوش. وهذا دليل، برأيه، على أنّ الادارات الأميركية المتعاقبة بغض النظر عن كونها ديموقراطية او محافظة جديدة لا تزال تدعم الأنظمة غير الديموقراطية التي تستمر في انتهاك الأسس التي تقوم عليها حقوق الانسان.
هل تذكّرنا كلمات تشومسكي بشيء؟
أجل بالتأكيد. انها تذكّرنا بوثيقة شليسنغر التاريخية حول الاستعدادات الاميركية لغزو الخليج منذ 30 عاما. كما تذكّرنا بمقال وزير البيئة البريطاني ميتشر والمؤلف الاميركي هاينبرغ، اللذين يذكّرانا بدورهما أن الولايات المتحدة قررت ضم النفط العربي الخاص الى الممتلكات الغربية العامة، بالقوة العارية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.