يحكى عن أحد ملوك العرب في قرون ماضية، أنه اقترن بفتاة من بلاد الفرنجة، وبمجيئها معه إلى البلاد العربية غالبها الحنين إلى مسقط رأسها ومهد صباها، وعبّرت لزوجها عن شوقها الكبير لرؤية منظر الثلج، طالبة الإذن منه لتتمكن من زيارة أهلها، والتمتع معهم بالشتاء حين يلبس الأرض جبة البياض، إلا أن الزوج تمكن بفطنته من تحقيق مرادها من دون اضطرارها لعناء ومتاعب السفر، إذ طلب من وزيره الخاص أن تتم زراعة التل المقابل للقصر بشجر اللوز، وما أن حل الشتاء حتى اكتسى التل بأزهار اللوز البيضاء التي أغنت الزوجة عن العودة لموطن الثلج. وكثيراً ما يستعيد من عرف مناخات الباحة وتضاريسها وطبيعتها الزراعية، منظر شجر اللوز في المدرجات المحيطة بالقرى، وهي تكتنز بالزهر الأبيض"الحنون"الآسر بنصاعته والمؤذن بموسم لوز متميز. إلا أن يد الإهمال طاولت هذه الأشجار المثمرة والمعمرة، فغدت أعجازاً خاوية، وتآكلت حد النخر في معظم القرى ليعلن بعض المزارعين الحداد على موتها وانقراضها، واحتفاظهم بصورتها الباذخة في الذاكرة بعد أن استعاظ الجاحدون عنها بأشجار الزينة دائمة الخضرة والعديمة الثمر. ومع عودة موسم الأمطار وتراكم كميات المياه في أودية منطقة الباحة، أحيت كفوف المطر موات اللوز وأيقظت أغصانه من سبات عقود ومنحته نضارة العافية، ليبدأ لوز القرى عزف أنشودة البياض في أودية مهجورة لا يسكنها سوى العصافير وبعض الحيوانات الضالة. ويؤكد مدير فرع وزارة الزراعة بالنيابة المهندس سعيد الحبيطي"أن شجرة اللوز من أكثر الأشجار ألفة وقابلية للأنسة التي يستحيل أن تعيش بمفردها"، معللاً انقراضها بالإهمال والوأد المتنامي للعابثين بالبيئة واستغنائهم عن مزارعهم، مشيراً إلى أن الأرض التي يزرع بها اللوز تحتاج إلى الحرث والتسميد وتقليب التربة، ما ينتج تغييراً فيزيائياً وميكانيكياً في فضاء شجرة اللوز، يشعرها بالاهتمام والرعاية مشبهاً إياها بالطفلة التي تنمو وتزدهر بقدر عناية أهلها بها.