تعتبر مهنة المحاماة بحق، الشريك الأساسي للقضاء في تحقيق العدالة بين الجميع، وهذه المهنة لم تلق العناية الكافية من المجتمع السعودي، إذ إن الناس لم يعرفوا دور المحامي الحقيقي، وفي هذا المقال سأحرص على أن أكتب عن رسالة المحاماة ودور هذه المهنة في بناء المجتمع بشكل مختصر. والمحاماة تسمى في مصطلح فقهاء المسلمين الوكالة على الخصومة، إذ كان كثير من الصحابة يوكلون آخرين في سماع الدعاوى المقامة ضدهم والرد عليها، بل كانت الوكالة المأجورة في الخصومة موجودة في ديار الإسلام منذ القرن الثاني الهجري، ومنذ عهد قاضي القضاة الإمام أبي يوسف، وقد جاء في المنظومة الرهبانية أن الوكيل كان يتعاطى لقاء مرافعته درهمين عن كل جلسة، بل وجد في الفقه الإسلامي ما يمكن تكييفه بأنه انتداب للوكالة في الخصومة حيث كان يباشره القاضي، وهو ما يعرف بالإعداء، والذي كان يأخذ به صاحبا أبي حنيفة الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، وكان يتخذ بالنسبة إلى المدعى عليه الذي دعي إلى الحضور لمجلس الحكم فامتنع عن ذلك، فكان القاضي يبعث رسولاً ينادي على باب الخصم الممتنع ومعه شاهدان، وينادي الرسول ثلاثة أيام، كل يوم ثلاث مرات بدعوة القاضي له بالحضور مع خصمه، مع إنذاره بأنه إذا اتخلف عن الحضور، فسينصب عنه وكيلاً، وتسمع البينة ضده في حضور الوكيل المنتدب، وكان الإعداء يتم شفاهاً في أول الأمر ثم صار يتم كتابة في العصور التالية، وكان ذلك الوكيل المعين يتقاضى أجراً لقاء عمله. إذاً الشريعة جعلت دور المحامي هو مساعدة الناس في الحصول على حقوقهم وإعانة القاضي على الوصول إلى الحق. ومعروف لدى القانونيين في دول المعمورة كافة أن المحاماة هي السلطة الخامسة، إذ إن رسالة المحاماة رسالة عظيمة تتطلب ممن يعمل فيها أن يجمع في شخصه صفات كثيرة جداً أقلها الأمانة، والشرف والصدق، والتضحية، والمثابرة، والقدرة على المواجهة، والعلم ولا بد من أن يتمتع المحامي بالاستقلالية لأنه إذا حرم من الاستقلالية في مناقشة الأمور العامة والأحكام القضائية، ومن تناولها بالنقد البناء، فإن أخطاء السلطة القضائية ستتكرر وتتفاقم، لتصل إلى درجة يصعب فيها الإصلاح، وإذا قيدت مهنة المحاماة بقيود، تجعل المحامي مجرد واسطة لنقل المعلومات بين الموكل والمحكمة، تصبح مهنة المحاماة مهنة تعيسة لا قيمة لها، ولن يكون لها شرف ولا كرامة، وستحرم السلطة القضائية مما يختزنه المحامون من علم وتجربة، لأن الوطن أولى بهما، بدلاً من أن تبقى مخزنة في عقول المحامين. إن استقلال المحاماة عن الخصومات بين الأفراد يجعل من الضروري ألا ينظر المحامي إلى نفسه على أنه خصم لخصم موكله، فإن فعل ذلك، فإنه يتعامل مع قضايا هذا الموكل بالعاطفة فقط وليس بالعقل والمنطق القانوني، ويفقد أهم ميزة من مميزات المحامي وهي الاتزان، والقدرة على تمييز الغث من السمين. وتتجلى أهمية دور المحاماة في بناء المجتمع في المواضيع الآتية: أولاً: الدور الأساسي للمحامين في الحياة الدستورية والقانونية: إن الأمة التي يتخرج فيها المحامون بمقدرتهم العلمية وسعة اطلاعهم على قوانين البلاد وأحوالها الاجتماعية يعدون من رجال الأمة العظام، إذ يظهر من بينهم أنبغ القضاة وأعضاء الشورى والوزراء وسائر رجال الدولة الكبار، وهم من يقفون في وجه الظالمين، ويدافعون عن حقوق المظلومين، ويرفعون أصواتهم بطلب العدل والإنصاف، ويناضلون في سبيل أحكام النظام والقانون حيال من يحاول انتهاك حرمته والعبث به. ولا تقتصر وظيفة المحامين على الدفاع عن حقوق موكليهم أمام القضاء فحسب، بل هم يراقبون حال التشريع، وكيفية تطبيق القوانين في البلاد، ويرفعون بواسطة وزارة العدل، أو من طريق جمعية المحامين السعوديين اقتراحاتهم لإصلاح هذه القوانين أو تعديلها. ثانياً: الإسهام في الدفاع عن القيم الإنسانية: يعتقد العامة ممن يجهل طبيعة مهنة المحاماة أن مهمة المحامي بسيطة وما عليه سوى أن يقدم استدعاء الدعوى لكل من يطرق باب مكتبه، والصحيح أن المحامي الجيد هو المؤمن بقداسة مهنته، وبالقيم الإنسانية، وبوجوب التعاون بين الناس، وبالمحافظة على الود والوفاء، وصدق اللسان، والنية الحسنة، والضمير الحي والأمانة، والعمل المتقن، وبكل ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات، والدور الحقيقي للمحامين هو النصح قبل إقامة أي دعوى، حيث يطالبون مراجعيهم عندما يكتشفون أنهم على غير حق، بالرجوع إلى الحق وعدم التمادي في الباطل. والمحامون يعانون صعوبات بالغة في مساعي المصالحة التي يبذلونها، وفي التوفيق بين وجهات النظر، الذي يستهلك وقتاً يكفي في غالبية الأحيان لتقديم عشرات الدعاوى، ولكن أخلاقية المحامي الشريف لا تقبل أن يترك أي فرصة للوصول إلى المصالحة، وإعطاء كل ذي حق حقه، مهما كانت الصعوبات، بحيث لا يبقى للمحاكم سوى ما عجز عنه المحامون في إقناع أطراف النزاع بحله ودياً بغية المحافظة على القيم الإنسانية. ثالثاً: الإسهام الفعال في تطوير التشريع: المحامون يدركون أن القوانين غير منزلة، وان أحكامها تتبدل بتبدل المكان والزمان، وان عليهم دوراً رائداً في مضمار التطوير والتعديل، ويدركون كذلك مدى صعوبة تغيير النصوص القانونية وفقاً لما تستدعيه حركة تطور الإنسان والمجتمعات من سرعة، كما يدركون أن التفسير المرن يؤدي إلى استخلاص الحلول من معنى النص الظاهر، ومن روحه وفحواه تحقيقاً للعدالة، وإذا كان التفسير في الأصل من مهمات السلطة التشريعية لدى انصرافها إلى إزالة غموض يعتري بعض القواعد القانونية ومن مهمات السلطة القضائية كعمل ملازم لتطبيق القوانين، وخصوصاً ان الاجتهاد يشارك على العموم في سد الثغرات التشريعية، وإذا كان الأمر كذلك فإن المحامين في تفسيرهم وتأويلهم، يتراسمون ما قد ترسمه السلطة في تشريعاتها، والمحاكم في قراراتها. والتطوير أو التحديث يتم من خلال اقتراح التعديلات أو اقتراح إحداث قانون أو نص جديد يضاف إلى قانون نافذ عبر آليات محددة في النظام. رابعاً: الإسهام في مكافحة الجريمة: يعتقد عدد غير قليل خطأ انه ليس للمحامي أي دور في مكافحة الجريمة، وإعادة تأهيل المجرمين، والحقيقة أن المحامي يقوم بدور فعال في ذلك الأمر، خصوصاً عندما تكون علاقته مباشرة مع مرتكب الجريمة، وان الثقة التي يبثها المحامي في نفسية المتهم وشعور الأخير بان المحامي يعمل على مساعدته للخلاص من المشكلة التي اعترضته إن كان بريئاً، أو التخفيف من نتائج المشكلة قدر الامكان، إن كان ذلك المتهم مخطئاً، تجعل المتهم يتعاون مع المحامي في سبيل الوصول إلى أفضل حل قانوني لوضع المتهم، وتجعل المحامي أكثر قدرة من غيره على الدخول إلى نفسية المتهم للتأثير على من ضل السبيل وارتكب جريمة. وإسهام المحامين في إعادة تأهيل المجرمين ليس قاصراً على الدور الفردي الذي يمكن أن يسهموا فيه من خلال القضايا التي يكلفون بها فحسب، وإنما من خلال تأسيس الجمعيات التي تهتم بالمسجونين، والدفاع عن حقوقهم كسجناء وتأمين سبل العيش واستمرار التعليم لأسر المساجين، وتامين العمل الشريف للذين امضوا مدد عقوبتهم. هذه بعض المهام التي يقوم بها المحامي لخدمة المجتمع الذي يعيش فيه.