تواجه الأسواق اليمنية زيادة ملحوظة في مستوى التضخم على خلفية ارتفاع أسعار السلع الرئيسة التي يستورد اليمن غالبيتها، ما يهدد ما تحقق من مكاسب من الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي بدأت قبل أكثر من عقد ونيف. وشهد مؤشر الأسعار القياسية للمواد الاستهلاكية في الأسابيع القليلة الماضية حركة تصاعدية، ليستقر بعد تدخل الحكومة لضبط أسعار القمح والطحين في الأسواق المحلية. واعتبر وزير الصناعة والتجارة يحيى المتوكل"ان ارتفاع التضخم ليس سمة يمنية خالصة، بل حالاً تعم دول المنطقة كلها بسبب الارتفاع القياسي لأسعار الحبوب في السوق العالمية"، لافتاً إلى ان غالبية الدول زادت المرتبات والأجور كوسيلة لمواجهة زيادة الأسعار،"غير ان ذلك أشبه بعلاجات مسكنة لفترة محدودة". وأكد في حديث أجرته معه"الحياة""صعوبة المعالجة الاقتصادية للتضخم، التي تقتضي تفاعل الأسواق وزيادة الإنتاج على مستويي الفرد والمجتمع، وهذا الأمر مشكلة في اليمن". وكشف النقاب عن معالجات حكومية لمكافحة التضخم، منها مراقبة الأسواق، للتأكد من عدم التلاعب بالأسعار، وعدم تجاوز معدلات الزيادة العالمية، وتعديل التشريعات بما يسمح لغير اليمنيين باستيراد السلع الغذائية. وأضاف ان بلاده تسعى إلى تشجيع ترشيد الاستهلاك، وإدخال أنماط جديدة على استخدام الحبوب المنتجة محلياً وخلطها، فضلاً عن تطبيق المرحلة الثانية من إستراتيجية الأجور، إلى بدأت في تشرين الأول أكتوبر 2007، وتتضمن زيادة معقولة لمرتبات العاملين في الجهاز الحكومي، مشيراً إلى مواكبة القطاع الخاص لهذه الزيادات، فضلاً عن زيادة مساعدات الرعاية الاجتماعية للفئات التي لا تشملها شبكة الأمان الاجتماعي. وأعلنت الحكومة في شباط فبراير الماضي ان معدل التضخم سجل مستوى قياسياً خلال عامي 2006 و2007، إذ بلغ 18 في المئة، مقارنة بپ11.8 في المئة عام 2005. وعزا تقرير حكومي ارتفاع معدلات التضخم، إلى تفاعل عرض السلع والخدمات والطلب عليها محلياً وعالمياً، وأداء السياسات المالية والنقدية في إدارة اتجاهات الاقتصاد الكلي وتأثرها التضخمي، لافتاً إلى ان الاقتصاد اليمني يواجه زيادة أسعار غير مسبوقة لأسباب داخلية وخارجية، وموضحاً ان أسعار السلع الغذائية ارتفعت في السوق العالمية بين 26 و35 في المئة، كما ارتفعت السلع المستوردة من الإسمنت والحديد ومواد البناء والمشتقات النفطية، فيما زاد الطلب على السلع المستوردة في شكل عام، وارتفعت أسعار السلع الغذائية المحلية، خصوصاً الخضار والفواكه والأسماك، بسبب تصدير جزء كبير منها إلى البلدان المجاورة. وأكدت بيانات حكومية ان التأثير المزدوج لقوى العرض والطلب على السلع، أدى إلى رفع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، معتبرة ارتفاع الأسعار من أهم الظواهر الاقتصادية ذات الانعكاسات السلبية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى الاستثمارات العربية والأجنبية، باعتبارها مؤشراً طارداً للاستثمارات الأجنبية. وكشف رئيس الوزراء اليمني علي محمد مجور في بيان أمام البرلمان خلال نيسان أبريل الماضي، عن إجراءات حكومية في الأجلين القريب والمتوسط لمعالجة ارتفاع الأسعار، منها إعادة النظر في السياسة المالية الحالية، بهدف حفز الإنتاج والاستثمار وتنمية الإيرادات والحد من التهرب الضريبي وإعادة هيكلة النفقات العامة والحد من التوسع في النفقات التجارية، فضلاً عن التحكم في إدارة السيولة المحلية، وضبط معدلات نمو العرض النقدي، بما يتناسب مع معدلات نمو الناتج المحلي الحقيقي، ورفع كفاءة أدوات السياسة النقدية. وأفادت بيانات"الجهاز المركزي اليمني للإحصاء"بأن معدل التضخم في الأسعار القياسية للمستهلك بلغ 11.9 في المئة في 2001، و12.49 في المئة في 2004، ثم انخفض إلى 11.4 في المئة في 2005، غير ان معدل التضخم في أسعار الغذاء ارتفع من 13.7 في المئة في 2001 إلى 19.20 في المئة في 2005، وإلى 23.5 في المئة في 2006 و2007. وأفاد الجهاز في أحدث نشراته الدورية بأن الرقم القياسي العام للتضخم في نهاية آذار مارس الماضي بلغ 6.3 في المئة. واعتبرت الحكومة في بيانها المالي للعام الجاري التضخم أحد أهم التحديات التي تواجه اليمن، متوقعة احتواء معدله عند 10 في المئة آخر هذه السنة، بعد إجراءات تنظيم عمل السوق وكسر حلقات الاحتكار، وتنويع مصادر الاستيراد للسلع الأساسية. وأكدت وزارة الصناعة والتجارة أنها سعت إلى السيطرة على الوضع التمويني، بتأمين المواد الغذائية الأساسية، والاهتمام بتشجيع المنافسة ومنع الاحتكار. وفي هذا السياق، صدر قرار عن مجلس الوزراء سمح لفروع الشركات الأجنبية باستيراد المواد الأساسية، خصوصاً القمح والدقيق والرز والسكر، وكذلك تعديل القانون التجاري بالسماح لغير اليمنيين بتملك كامل المشروع. وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة صنعاء محمد الميتمي ان الاقتصاد اليمني عانى منذ بداية التسعينات وحتى عام 1997، من تقلبات حادة في الأسعار أدت إلى تصاعد معدل التضخم، واضطراب الاستقرار المالي والنقدي، بسبب عوامل من بينها الإصدار النقدي التضخمي لتمويل العجز، وزيادة الطلب الكلي أمام محدودية الإنتاج، وانخفاض الإيرادات من النقد الأجنبي نتيجة العودة الدائمة لمغتربين كثر وانقطاع المنح والمساعدات الأجنبية عام 1990، ما شكل ضغطاً كبيراً على معدل سعر الصرف، ورفع بالتالي أسعار السلع المستوردة والمصنعة بمواد خام مستوردة. وأكد ان مسار التضخم في اليمن"يتقلب بين فترة وأخرى وبصورة مفاجئة بسبب العلاقة التبادلية بين سعر الصرف ومعدل التضخم الشهري، ذلك ان سعر الصرف يتأثر في شكل كبير عند حدوث الأزمات والأحداث السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وبما ان المنتجات الصناعية اليمنية تعتمد على 80 في المئة من مستلزمات الإنتاج الأجنبي، فإن أي تدهور في أسعار الصرف، يرتب زيادة كبيرة في أسعار المنتجات المحلية والمستوردة". ورأى أستاذ الاقتصاد أحمد يحيى الرفيق، ان أذون الخزانة لعبت دوراً مهماً في تخفيض معدل التضخم من الإصلاح الاقتصادي من نحو 55.1 في المئة في 1995، إلى 12.5 في المئة في 2004، لافتاً إلى"ان الإصلاح الاقتصادي في ذلك العام لعب دوراً أساسياً في تعويم معدل سعر الفائدة الذي انخفض في 1997 إلى 11 في المئة، بعد إجراءات البنك المركزي الخاصة بتفعيل دور المصارف في الإنعاش الاقتصادي، إذ أدت سياسته النقدية إلى السيطرة على التضخم".