نشر جوزف كونراد 1857 - 1924 مقالاً بعنوان "الكتب" سنة 1905 تحدّث فيه بلغة كثيفة عن الفن الروائي. جاء في المقال السطور الآتية:"لا توجد صيغة شرعية تبرّر وجود الرواية دون غيرها من الأعمال الفنية الأخرى. فمصيرها النسيان مثل كل الأعمال، نسيان قد لا يخلّف وراءه أي شيء على الإطلاق. أما الميزة التي يتميّز بها الروائي دون غيره من العاملين في حقول الفكر الأخرى، فهي ما يتمتّع به من حريّة: حرية التعبير، وحرية الاعتراف بأخص معتقداته، مما يخفّف عنه من وطأة عبودية القلم الصارمة...". يفصل كونراد بين الفن الروائي، الذي لا يَفْضُل غيره من الفنون الأخرى، والروائي الذي تخفّف عنه حريته ثقل التجربة الكتابية. قد يبدو ما يقوله كونراد عادياً، فهو يشير إلى ما يميّز الروائي عن الرسّام والنحات وغيرهما من أهل الفنون، لكن ما يطلبه كونراد حقيقة حرّة، أو باحثاً حراً عن حقيقة عميقة لا يمكن الوصول إليها. ولعل مساواة الرواية بغيرها من الفنون وعدم مساواة الروائي بغيره، هو الذي يجعل الروائي، الجدير بصفته، يبحث عن معنى العالم، الغامض المحيّر المشبع بالأسئلة، في أعماق ذاته، أو في تلك"المنطقة الموحشة من الضغط والصراع"، كما يقول كونراد. وعلى هذا البحث المرهق، الذي لا تستطيعه"العقول الضعيفة"، أن يتحرّر من كل المدارس الأدبية الجاهزة أو المقترحة، وأن يمضي، شيئاً فشيئاً، إلى تخوم حقيقية صعبة، تسطع لحظة قبل أن يلفّها الظلام. ومع أنّ كونراد يربط بين التماس الحقيقة والكرامة الإنسانية، فإنّ حقيقته المقترحة عصيّة على التحقّق، ذلك أنّ الفن الروائي يتوجّه إلى الحواس، وأنّ الحواس بطبعها تعرف الإيحاء ولا تعرف الإقناع. ينوس هذا الفن بين التواضع الفكري الشديد، فما من أحد يستطيع إضاءة جيوب الكون الغامضة، والزهو الشديد أيضاً، الصادر عن إخلاص الروائي الكلي في بحثه عن الحقيقة. يُقصي هذان الشرطان عن العقول السليمة الوهم المقيت القائل بأنّ عمل الفنان يمكن أن يساوي حلمه به. يقول كونراد:"ليجعلْ الروائي قوة خياله تنضج بين أشياء هذه الأرض، فمن واجبه أن يتمسّك بها ويعرفها، وأن يمتنع عن استلهام نوع من الوحي الجاهز، يأتيه من سماء تتسم فيها الأشياء بالتكامل، ولا يعرف عنها شيئاً". يقترب الروائي من موضوعية العالم العقلاني الدؤوب، الذي يبدأ وينتهي بما هو بين يديه، ويعود ليبتعد عنه، فهو لا يتعامل مع الأجسام الصلبة والسائلة، بل مع أقدار الإنسان في وجود غامض يبعث على الشقاء. تأتي السطور السابقة بمناسبة مرور مئة وخمسين عاماً على ولادة جوزيف كونراد، الذي اعتبر الروائي"مؤرخاً لمغامرات الجنس البشري في مملكة الأرض المملوءة بالمخاطر". ولكن من هو كونراد؟ أكثر من أمر يجعل هذا الروائي ظاهرة غير مألوفة: فهو البولندي الذي أصبح أكثر أدباء اللغة الإنكليزية شهرة بعد شكسبير، والروائي الذي جمع مادته الحكائية من عوالم السفن والبحار وأقدار الأشقياء في هذا العالم، والفنان الذي اعتصم بتشاؤم يساوي بين الرعب والوجود، وهو ذلك الإنسان الغريب، الذي كان انكليزياً وبولندياً وفرنسياً وكان غير ذلك كلّه في آن. فقد نشأ في عائلة بولندية علّمته اللغة الفرنسية، قبل أن يتعلّم الإنكليزية، وهو في الخامسة والعشرين من عمره حين أراد أن يصبح ضابطاً، وأنّ يطوع هذه اللغة ويتقنها إتقاناً كاملاً في شهور قليلة، كما يقال. ولم يكن إقباله الغريب على لغة غريبة إلاّ مرآة لرغبة في التحرّر من المعطى والمحدود والانتماء إلى أكثر من مكان وثقافة. فروايته"قلب الظلام"وضعت فيه جزءاً من أفريقيا، ونقلته روايته"نوسترومو"إلى أميركا الجنوبية، وحملته"تحت أنظار غربية"إلى روسيا، وكتب قصصاً قصيرة عن الشرق الأقصى. ولم ينسَ أن يُدرج ذكريات الشباب في بولندا في عمله الشهير:"لورد جيم"، الذي اتسم بقتام قاس... كان طبيعياً في تجربة حياتية قائمة على التعدّد، أن يترجم كونراد تجاربه المتعددة إلى منظور ملتبس للعالم، يسمح بأكثر من تأويل واجتهاد. فعلى رغم دعوته المثابرة إلى التضامن الإنساني والحفاظ على القيم الإيجابية، فقد أفصح منظوره عن أمرين أساسيين: الدفاع الذي لا مساومة فيه عن الفردية الإنسانية المستقلة، والمساواة بين الحفاظ على الفردية والكرامة الإنسانية، كما لو كان معنى الإنسان الكريم يكمن في الحفاظ على وجوده الذاتي، بعيداً من بلاغة التضحية والإيثار. ومع أنّ في التصوّر ما يعلن عن الأنانية والأنا المستأثرة، فقد أراد كونراد، في أفكاره المصاغة روائياً، أن يخبر عن تصوّر متشائم متعدّد الأبعاد: فالإنسان كائن لا عقلاني، لا يمكن سبره والتعرّف على رغباته، ومن العبث إصلاح وجود إنساني غير قابل للإصلاح، والتاريخ الإنساني كلّه يعج بالجرائم ولا يمكن تغييره، وفكرة التقدّم تقف على ساقين من قش... تنتهي هذه الأفكار إلى قدرية مطلقة السراح، ترى في الموت من أجل الآخرين عبثاً لا ضرورة له، وهو ما قال به، في شكل مضمر أو صريح، في عمليه:"تايفون - الإعصار"وپ"شباب". كان في موقف كونراد القدري ردّ على القيم المسيطرة في زمانه، الذي شهد كومونة باريس ومجازرها وجرائم السيطرة الاستعمارية، وصولاً إلى الدمار الكبير الذي جاءت به الحرب العالمية الأولى. ولهذا اكتفى مؤلف"لورد جيم"برومانسية متمحورة حول ذات مكتفية بعزلتها، لا تؤمن بالتاريخ ولا تقتنع بإمكان فعل الفرد في التاريخ، ولا تقبل بپ"بطولة الحمار"التي هي بطولة فرد يضحي من أجل مجموع لا يرى التضحية ولا يعبأ بالمضحَّى به. يعبّر إنكار التضحية، كما جاء في رواية"الإعصار"، عن ذات مستقلة لا تنصاع إلى مرجع خارجي ولا تؤمن بالجماعي وبالدعاوى الجماعية إلى تغيير العالم. وواقع الأمر أنّ كونراد يرى من التاريخ جرائمه ومن الإنسان لا عقلانيّته المفرطة ومن الطبيعة اندفاعها الوحشي الذي لا يروّض. لا غرابة في أن يكثّف بطل"قلب الظلام"معنى الوجود بكلمة"الرعب، الرعب"، وأن يكون مناخ"لورد جيم"قاتماً إلى حدود الفجيعة، وأن يكون العالم مزيجاً من المأسوي والغريب المثير للسخرية. وبداهة، فإنّ المأسوي الذي يخترق طفلاً أضاع أمّه وأماً فقدت ولدها مرآة لعالم قانونه الاغتصاب، مثلما أنّ المأسوي الذي تباطنه المفارقة خاسر في أول المسار وفي نهايته. وما هذا المسار، كما تخبر"قلب الظلام"، إلاّ الانتقال السريع من عالم الأحلام إلى عالم الكوابيس. فالغابة تجرح القلب قبل أن تمتّع البصر، وشقاء النهار يخلع عن القمر جماله الليلي. رسم كونراد في"آمي فوستر"1901 أشياء من ملامح عزلته الذاتية كمهاجر بولندي في مجتمع إنكليزي لا يرحّب بالغرباء، محوّلاً ما عاشه إلى تجربة وجودية كونية. ولعلّ شعوره بالقلق الدؤوب، الذي يتاخم اللعنة، هو الذي حمل بعض النقاد على تقصّي آثار ديستويفسكي في نص كونراد، مقارناً في شكل خاص بين"الجريمة والعقاب"1866 و"تحت أنظار غربية"1911. ومع أنّ كونراد كان يمقت ديستويفسكي، كما أشار الناقد رينيه ويلك، فإنّ الشعور بالنقص الآثم، الذي يقارب اللعنة، ماثلٌ في الروايتين، وهو ما أشار إليه الناقد الإنكليزي ف. ر. ليفيز وغيره. فالإنسان عند ديستويفسكي وكونراد يحصد بعد المغامرة الخيبة. يقول كونراد على هامش روايته"تحت أنظار غربية":"لا يعي البشر أنّ كل ما يستطيعون القيام به هو مجرّد تغيير للأسماء". وتأكيداً للعلاقة بين الروائيين الروس والبولندي - الإنكليزي يعقد نقّاد آخرون مقارنة بين"أبله"ديستويفسكي ورواية كونراد"العميل السري"منتهين، لزوماً، إلى مقولات الخوف والعقاب والغفران المؤجّل. ماذا يفعل الأدب في مواجهة وجود مظلم المعنى؟ البحث عن الحقيقة، والبحث عن الأسباب التي تحجب الحقيقة قبل ظهورها."تتبع الفنون، كما الحياة، مساراً مظلماً، ولا تلتفت إلى الأضواء التي يحتفي بها العلم"، يقول كونراد. بحث الروائي عن ضياء صعب، يفتّش عنه الإنسان طويلاً، ويلمحه كوميض ساطع وسريع التلاشي في آن. حين شكت قارئة من المناخ الكئيب الذي صاحب"لورد جيم"أجاب كونراد:"كان واحداً مناً". ساوى الروائي بين أقدار بطله واللعنة، وساوى بين أقدار بطله وأقدار جميع البشر. يقول كونراد:"إنّ مهمتي التي أحاول الاضطلاع بها هي أن أجعلكم ترون. تلك هي مهمتي، ولا شيء أكثر من ذلك، وهي كل شيء". يذكّر الروائي القارئ، بما نسيه، مدركاً أنّ سطوة النسيان تمسح الروائي والرواية والقارئ.